وفي هذا المبحث عدة مطالب:
المطلب الأول: فضل المكث في مكان الصلاة بعد أدائها
- عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
[ ٢٢ ]
"لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، وَلَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ" (^١).
قال المباركفوري، ﵀: قوله: "اللهم اغفر له اللهم ارحمه" بيان لقوله: "تصلي". أي: تقول: اللهم اغفر له … إلخ. والفرق بين المغفرة والرحمة؛ أنَّ المغفرة ستر الذنوب، والرحمة إفاضة الإحسان إليه. "ما لم يحدث" من الإحداث، أي: ما لم يبطل وضوءه. وفي الحديث بيان فضيلة من انتظر الصلاة مطلقًا سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد أو تحول إلى غيره، كذا في عمدة القاري" (^٢).
وقال السفاقسي: الحدَث في المسجد خطيئة يُحرَمُ به المُحْدِثُ استغفارَ الملائكة، ولمَّا لم يكن للحدث فيه كفارة ترفع أذاه كما يرفع الدفن أذى النخامة فيه؛ عوقب بحرمان الاستغفار من الملائكة لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة (^٣).
قال ابن بطال ﵀: فمن كان كثير الذنوب وأراد أن يحطَّها الله عنه بغير تعب؛ فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة، ليستكثر من دعاء
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٥) ومسلم (٦٤٩) والترمذي (٣٣٠) واللفظ للترمذي.
(٢) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي حديث (٣٣٠).
(٣) المصدر السابق.
[ ٢٣ ]
الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] " (^١).
وقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى قَوْلَهُ: "مَا لَمْ يُحْدِثْ". إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ" (^٢).
وقد ذكرَ اللهُ تعالى استغفارَ الملائكة للمؤمنين من حيث العموم، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [سورة غافر: ٧].
قال مُطرِّفُ بن عبد الله: وجدنا أَنْصَحَ عبادِ الله لعبادِ الله الملائكة، ووجدنا أغشَّ عبادِ الله لعبادِ الله الشيطان، وتلا هذه الآية (^٣).
وقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: افهموها، فما في العالم جُنَّةٌ أرجى منها، إنَّ مَلَكًا واحدًا لو سأل الله أن يغفرَ لجميعِ المؤمنين لغفر
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٩٥) ط ٢ لمكتبة الرشد ١٤٢٣ هـ ٢٠٠٣ م.
(٢) الموطأ (٤٤١).
(٣) تفسير القرطبي [غافر: ٧].
[ ٢٤ ]
لهم، كيف وجميعُ الملائكة وحملةُ العرشِ يستغفرون للمؤمنين (^١).
وقال خَلَفُ بنُ هشامٍ البزَّارُ القارئُ: كنت أقرأ على سُلَيْمِ بنِ عيسى فلمَّا بلغت: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكى ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله، نائمًا على فراشه والملائكة يستغفرون له" (^٢).