بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ولي النِّعمة، وكاشف النِّقمة، تنزه في عليائه، وتفرد في كبريائه، والصلاة والسلام على السيد الأوحد، والنبي الأمجد، وعلى آله وصحبه المختارين، شموس الهدى وسناء المحتارين، ومن تابعهم بإحسان من التابعين. وبعد:
أخي المسلم: أخذ الله تعالى بقلوبنا إلى هداه، وجنَّبنا سبل المهالك والرَّدَى، وكان العون في الدنيا والراحم في الآخرة.
أخي: كم هذا الإنسان غافل .. لاه .. لا يدري ما يصلحه إن لم يسدِّده الملك الوهاب .. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب].
أخي في الله: إنك محصور من كل نواحيك بأعداء يبغونك كل سوء؛ من نفس وشيطان وهوى الكلُّ أعداؤك!
فسبحانك إلهي أين المهرب إلا إليك؟ . وأين المعاذ إلا بك؟ فأنت عصمة الخائفين .. ومعاذ المخبتين ..
أخي: النفس عدو لدود .. وحبل للشرور ممدود .. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس]
أخي: هي النفس تحب الشهوات .. وتهوى الأماني .. وتبغض عزائم الأمور، ولُجج الحق .. فأنت معها أخي في جهاد طويل، نزاع لا ينقضي؛ حتى يردها إلى الحق فتحمد مغبتك .. أو تردك عن الحق فتخسر الدنيا والآخرة!
أتدري أخي من هو عدو النفس اللجوج والهوى المضل؟
[ ٥ ]
إنه الدين والعقل .. وقف معي أخي عند كلام الإمام ابن القيم إذ يقول: «إن الصبر مصارعة باعث العقل والدين لباعث الهوى والنفس».
إذًا أخي هو (الصبر) تلكم البضاعة الغالية .. والسلعة النفيسة .. فقد أبت نفوس الكرام إلا اقتناءها .. فيا تُرى أخي أهي في حرزك، وملكك؛ أم أنك معدم منها؟ !
فإن كنت كذلك أخي فلا تترددنَّ في بذل النفيس لامتلاكها.
الصبرُ يُحْمَدُ في المواطن كلِّها إلا عليك فإنَّه لا يُحمَدُ
أخي المسلم: الدنيا مزرعة الآخرة، ولن تُؤتى مزرعة أكلها إلا إذا حرثت ونظفت وحرست من الآفات والجوائح. وإن من آفات هذه المزرعة؛ نزغات النفس الأمَّارة بالسوء فانظر أخي إلى هذه الآفة فلن تجد لها دواء أنجع من الصبر .. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦].
قال ابن تيمية ﵀: «قد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا، وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
أخي: لقد جلَّى لك العارفون تلك اللؤلؤة النفيسة (الصبر) فقالوا: «هو حبس النفس عن التسخُّط، وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش».
وقال عمرو بن عثمان: «هو الثبات مع الله، وتلقى بلائه بالرحب والدعة».
وقال بعضهم: «تجرُّع المرارة من غير تُعبُّس».
[ ٦ ]
وقال بعضهم: «هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلا إلى الله».
الخلَقُ للخَالق والشُّكْرُ للمُنعم والتسليمُ للقَادر
وخالصُ البرِّ ومَحْضُ التُّقَى والورعُ الصادقُ للصَّابر
أخي في الله: هو (الصبر) ودرجاته العاليات! لا ينالها إلا المخلصون .. الصادقون .. فلا بد لك أخي من معرفة درجاته وأقسامه.
فقد قيل: «الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها» [الإمام ابن القيم]. أخي: ومما يهمك وأنت تتضوع نفحات الصبر، أن تعلم أن الصبر ينقسم إلى قسمين:
(١) إختياري (٢) واضطراري. فالصبر الاختياري –أخي- أفضل من الصبر الاضطراري. فالصبر الاختياري هو: المتعلق بالتكليف وهو الأمر والنهي والاضطراري: هو الصبر على القدر .. والصبر الاضطراري يأتي به البر والفاجر. فأما الصبر على الأوامر والنواهي والصبر عن المعصية والصبر على الطاعة، فهو صبر أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام وأعظمهم اتباعًا أصبرهم في ذلك. والصبر الاضطراري مع عظم جزائه فهو أقل رتبة من الصبر عن المعصية» [الإمام ابن القيم/ بتصرف].
ثم أخي أعانني الله وإياك على الصبر والمصابرة، ومما أتحفك به في هذه الومضات؛ لابد أن تعلم أخي إن الصبر أيضًا ينقسم إلى قسمين آخرين وهما:
[ ٧ ]
(١) صبر الكرام. (٢) وصبر اللئام. فالكريم أخي يصبر اختيارًا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع.
وأما اللئيم فيصبر اضطرارًا .. فالكريم يصبر في طاعة الرحمن، واللئيم يصبر في طاعة الشيطان». [الإمام ابن القيم/ بتصرف].
أخي المسلم: إذا أردت أن تقف عند معالم الصبر، فتأمله وأنت قريب المنزل، مطلًا على الأطلال .. فلن تدرك أخي ذلك؛ إلا إذا وقفت على هذه الديار من نفائس الصالحين .. وإشراقات العارفين .. وفوق هذه النفاءس الوضاحة، يقف لنا شامخًا .. لامعًا .. مضيئًا، قول الرسول - ﷺ - .. تستأنس به أنفس المحبين .. وتستروح بشذاه مواكب الصابرين .. فما أحلاها من نفحات للصالحين .. وما أبهى سناها عند المخلصين .. فروِّح أخي نفسك من شذاها .. تحيا نفسك التي بين جنبيك، ويفيق القلب الساهي!
عن صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». [رواه مسلم].
وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم قمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد». [رواه الترمذي/ صحيح الترمذي: ٨١٤].
وقال رسول الله - ﷺ -: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة».
[ ٨ ]
[رواه البخاري]. وقال النبي - ﷺ - لنسوة من الأنصار ﵅: «لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة». فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: (أو اثنين) [رواه البخاري ومسلم].
أخي في الله: بعد تلك المصابيح المضيئة .. والمعارج السنية من كلام النبوة .. أهديك هذه الشمعات النيرات .. من كلام الربانيين الذين استقوا من عين النبوة .. ونهلوا من مناهل العرفان.
قال التقى النقي عمر بن الخطاب - ﵁ -: «وجدنا خير عيشنا بالصبر». وقال أيضًا - ﵁ -: «أفضل عيش أدركناه بالصبر ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا».
واسمع كلام الصاحب الصادق علي بن أبي طالب - ﵁ - إذ يقول: «ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قُطعَ الرأس بار الجسم ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له».
وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر».
وقال عمران بن حصين - ﵁ -: «ثلاث يُدرك بهن العبد رغائب الدنيا والآخرة: الصبر عند البلاء والرضا بالقضاء والدعاء في الرخاء».
ثم تأمل معي أخي كلام المقتدين بآثار الصحابة - ﵃ - .. نور خرج من نور!
قال الحسن البصري: «الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده».
[ ٩ ]
وقال قتادة: «خلق الله سبحانه الملائكة عقولًا بلا شهوات، وخلق البهائم شهوات بلا عقول، وخلق الإنسان وجعل له عقلًا وشهوة، فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو كالبهائم».
وقال إبراهيم التيمي: «ما من عبد وهب الله له صبرًا على الأذى وصبرًا على البلاء وصبرًا على المصائب، إلا أوتى أفضل ما أوتيه أحد بعد الإيمان بالله».
وقال ميمون: «ما نال أحد شيئًا في جسيم الخير نبيٌ فمن دونه إلا بالصبر».
وقال سليمان بن القاسم: «كل عمل يُعَرفُ ثوابه إلا الصبر قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: كالماء المنهمر».
إذا لم تُسامح في الأمور تعقدتْ عليك فسامحْ وأخرج العسر باليسر
فلم أرَ أوفى للبلاء من التُّقى ولم أرَ للمكروه أشْفَى من الصَّبْر
أخي المسلم: هل لك أن تدقق معي الفكر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران].
أخي: أمرك الله تعالى في هذه الآية بأربعة أمور تجمع لك الفلاح والخير العظيم .. وهي: * الصبر * والمصابرة. * والمرابطة * والتقوى.
فالمصابرة أخي: انتقال من الأدنى إلى الأعلى، فالصبر دون المصابرة.
فالصبر: مع نفسك. والمصابرة: بينك وبين عدوك.
[ ١٠ ]
أمر تعالى بالصبر وهو: حال الصابر في نفسه.
وأمر بالمصابرة وهي: مقاومة الخصم في ميدان الصبر، وهي تكون بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة.
وأما المرابطة: فهي: الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة.
أخي: فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى، فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله التقوى، وإن الفلاح موقوف عليها. فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الإمام ابن القيم/ بتصرف].
أخي في الله: حقًا ما أشق الصبر على النفوس! وكيف يهون أخي على نفوس ألفت الدعة والراحة وما تعودت البلاء؟ !
أخي: إن الله تعالى عادل في حكمه رؤوف رحيم بخلقه .. لا يخيب سعيهم، ولا يضيع جزاء أعمالهم .. ولمشقة الصبر على النفوس أخي جعل الله ثوابه فوق كل ثواب ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر]. فأكرم بهم إذا جاؤوا يوم العرض الأكبر فنالوا الأجر الأوفر والجزاء الأغزر.
ثم أخي أما رأيت إلى أولئك النفر الذين جاءت البشارة لهم من النبي - ﷺ - بالأمن التام والظل الظليل يوم القيامة، وهم السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله تعالى.
وما ذلك أخي إلا لفضيلة الصبر التي نعموا بها، ولذلك استحق المذكورون في الحديث .. لكمال صبرهم ومشقته، فإن صبر الإمام المتسلط على العدل في قسمه وحكمه ورضاه وغضبه، وصبر الشاب على عبادة الله ومخالفة هواه، وصبر الرجل على ملازمة
[ ١١ ]