أنَّ بعض الناس إذا أصابه ذنب عرف أنه ذنبه وتاب واستغفر ثُمَّ تلمَّس حكمة الله في تقدير هذا الذنب عليه، لِمَ قدَّر الله عليَّ الذنب؟ فيتأمل حاله فيجد أنَّ الله قدَّر عليه الذنب بسبب ذنب آخر، كما كان بعض السلف يُصرِّح عندما يقع في ذنب ويقدره الله عليه «أنَّ هذا بسبب ذنوبه».
قال ابن سيرين: «إنِّي لأعرف الذنب الذي حُمِل عليَّ به الدّين ما هو، قلت لرجل من أربعين سنة: يا مفلس» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ٢٧١).
[ ٣٥ ]
وقال سفيان الثوري: «حُرمت قيام الليل بذنب أحدثته خمسة أشهر» (^١).
وقال سفيان بن عيينة ﵀: «كنت أوتيت فهم القرآن، فلمَّا قبلت الصرة سلبته» (^٢).
فهذه منزلة الفقهاء العاملين، يعلم أنَّ الله حكيم، وأنَّه ما قدَّر عليه الذنب إلَّا بسبب ذنب آخر، فيجتهد في تلافي الأسباب التي قدَّر الله عليه بسببها الذنب الآخر ويستغفر من الذنب الذي وقع منه، وهذا مِمَّا يُرجى لأهله أن يُوفقوا لخير كثير ويجتنبوا الكثير من الذنوب إذا ما كانوا على هذه الدرجة من المراقبة لله ﷿، ومعرفة الذنوب ومعرفة أسباب تقديرها، وتلافي الأسباب التي من أجلها قدَّر الله ﷿ عليهم هذه الذنوب.
_________________
(١) المصدر السابق (٧/ ١٧).
(٢) «تذكرة السامع والمتكلم» (١/ ١٢).
[ ٣٦ ]
وبهذا يتبين تفاوت الناس تفاوتًا عظيمًا في هذه المراتب، فأين منزلة من يقول: إنَّ الله قدَّر عليَّ الذنب وأنا مجبور عليه، مِنْ منزلة من يعرف أنَّ الذنب ذنبه وأنَّ الله حكيم في تقديره وأنَّ الله ما قدَّر عليه الذنب إلَّا بسبب تقصيره، ثُمَّ يُثني على ربِّه ويمقت نفسه ويستغفر ربَّه ويدعو الله، فأين هذه المنزلة من تلك؟