وأثر العبد في تحقيقها
هنا أيضا مسألة أخرى ينبغي الوقوف عندها: وهو أنَّ تزكية النفس هل هي مِنْ فعل الربِّ أو مِنْ فعل العبد؟
فإنَّ العلماء اختلفوا في تفسير قول الله ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ هل المزكي هنا هو الرب لنفس العبد أو أنَّ العبد هو الذي قد زكَّى نفسه؟
للعلماء في تفسير هذه الآية قولان (^١)، وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية أن التزكية هنا من العبد، وأنه هو الذي زكى نفسه بفعل الطاعة (^٢)، وهذا موافق لقول الله ﷿: ﴿قَدْ
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (ص ١٥٨٩).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٠/ ٦٢٥).
[ ٢٢ ]
أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤].
فالتزكية هنا من العبد بفعل طاعة الله ﷿، لكن لا ينبغي أن يُتناسى أن تزكية العبد لنفسه هي بتوفيق الله ﷿، ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١].
فلا شك أنَّ العبد له أثر في زكاة نفسه، ولكن هذا ليس باستقلال منه، وإنَّما هو بتوفيق الله ﷿، فلولا فضل الله ورحمته ما زكى أحد من العباد، وهذا ينبهنا على مسألة عظيمة وهي أنَّ الإنسان محتاج في كل لحظة لربِّه ﷿ أن يُزكي نفسه، ولهذا جاء في الحديث: «اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكَّاها» (^١).
فالعبد محتاج إلى ربه أن يرزقه زكاة النفس، وأن يعينه
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، حديث رقم (٢٧٢٢).
[ ٢٣ ]
على الطاعة، ولا ينبغي للعبد أن يعتمد على حوله وقوته؛ ولهذا شرع لنا عند النداء للصلاة -التي هي أعظم ما يزكي الإنسان بها نفسه- عند سماع المنادي ينادي إليها بـ: «حي على الصلاة، حي على الفلاح» أن نقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
فهذا موطن عظيم خُذل بسبب سوء فهمه بعض أهل البدع؛ كالقدرية: الذين زعموا أنَّ العبد قادر على فعل نفسه، وأنَّه يزكو بحوله وقوته، وأنَّ ما فعل من الطاعات هي بقوته وجهده، وليس للربِّ أثر في استقامته وهذا باطل، فإنَّ استقامة العبد بتوفيق الله، وامتثاله لطاعة الله ﷿، هي من رحمة الله به، فهو الذي وفَّق العبد للطاعة، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧].
فالله ﷿ هو الذي هدانا أوَّلًا إلى هذا الدين هداية الإرشاد ببعثة رسوله ﷺ، وهدانا إلى هذا الدين هداية التوفيق، وهو
[ ٢٤ ]
الذي حبَّب للعباد فعل الطاعات، وكرَّه إليهم المعاصي، كلُّ هذا من توفيق الله.
وهذا التوفيق أيضًا له سبب من العبد كما بيَّن الله ﷿ هذا في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
فالعبد إذا أقبل على الله وامتثل أمره، وصدَّق بثوابه الذي أعده للمطيعين؛ وفَّقَهُ الله، وزاده توفيقًا وهدايةً، وإذا أعرض أو قصَّر؛ كان هذا سببًا لعدم توفيقه، ولعدم إعانة الله ﷿ له.
قال الإمام ابن القيِّم ﵀: «وقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان: أن يكلك الله إلى نفسك ويخلي بينك وبينها، والتوفيق: ألَّا يكلك الله إلى نفسك» (^١).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١٨٠)، وانظر: شفاء العليل (١/ ٢٦١).
[ ٢٥ ]
وإنَّما نبهت على هذا ليُعرف مصدر وأساس تزكية النفس، وأنَّها توفيق من الله.
[ ٢٦ ]