واجتناب المحظور وأيهما أنفع للعبد
تكلم العلماء في هذا الأمر وما هو الأنفع، هل هو فعل المشروع أو ترك المحظور؟
فالذي عليه العلماء المحقِّقون: أنَّ انتفاع العبد بفعل المشروع أعظم من ترك المحظور؛ لأن الفعل فيه مشقة وفيه امتثال لأمر الله ﷿ (^١).
فامتثال الأمر المشروع أعظم أجرًا عند الله ﷿، وذلك أنَّه متعلق بفعل الطاعات وفيه زيادة في الأجر؛ لأنَّ العبد
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٠/ ١٤٥، ٢٠/ ٨٥، ٢٩/ ٢٧٩)، و«جامع العلوم والحكم» لابن رجب (ص ١٧٩).
[ ١٨ ]
يحصل له الأجر على فعل الطاعة، وتكفير الذنوب بامتثال بعض الطاعات، كما جاء في كثير من النصوص أنَّ فعل الطاعات مكفِّر لبعض المحرمات.
لكن إذا نظرنا نظرة أخرى لترك المحظور وفعل المشروع نجد أن تجنب المحظور مشدد فيه أكثر من فعل المشروع؛ لقول النبيِّ ﷺ: «إِذَا نَهَيتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا استَطَعتُمْ» (^١).
فمن هنا قال العلماء: إنَّ ترك المحظور لم يُعلَّق على الاستطاعة؛ لأنَّه مقدور عليه، وأمَّا فعل
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، حديث رقم (٧٢٨٨)، ومسلم في كتاب الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم (١٣٣٧).
[ ١٩ ]
المشروع فإنَّه عُلِّق على الاستطاعة؛ لأنَّ بعض الناس قد يعجز عنه، ولهذا كان ترك المحظور مشددًا فيه؛ لأنه من باب الترك، وأمَّا فعل المشروع فإنه قد عُلِّق على الاستطاعة.
فمن هذه الجهة يُلاحظ أنَّ ترك المحظور لا عذر فيه وليس هو متعلق بفعل ولا استطاعة، بل هو مقدور عليه وهو أسهل على العابد.
وأمَّا فعل المشروع فإنَّ فيه زيادة عمل، وقد يكون فيه مشقة، ومن هنا قال العلماء: إنه باعتبار جهة الفعل أعظم أجرًا؛ لأنَّ فيه زيادة عمل.
ولهذا ذكر شيخ الإسلام أنَّ بعض الناس قد يجبل على الكسل عن فعل الطاعة وعن ترك المعصية، فليس كل ترك يكون دليلًا على الإيمان (^١)، بخلاف الفعل فإنه دليل على الإيمان، فقد يكون الكسل هو الحامل للعبد على الترك، وأمَّا الفعل فإنه لا يحتمل إلَّا الإيمان إذا ما امتثل العبد فعل الطاعة.
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ١٥٠).
[ ٢٠ ]
لكن أيضًا ينبغي أن يُراعى في هذا أن النية معتبرة، فإذا ترك المعاصي تجنبًا للمعصية وامتثالًا لطاعة الله ﷿ فلا شك أنّه مأجور على هذا الأمر.
[ ٢١ ]