وهو: أن يتفقه العبد في الشرع، وأن يعرف دين الله ﷿، فإنَّ زكاة النفس تكون بامتثال طاعة الله ﷿، ولا طاعة إلَّا
[ ٢٧ ]
بالدين والشرع، ولا يمكن للإنسان أن يحقق الشرع إلا بالعلم والفقه في دين الله ﷿.
ولهذا يَفْضُل العلماء غيرهم بما وفقهم الله إليه من العلم، فليست عبادة العالم كعبادة غيره إذا وفقه الله لامتثال العلم؛ ولذا قال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته، من حديث معاوية ﵁: «مَنْ يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين» (^١).
فجعل الفقه في الدين سببًا لكل خير من العلم والعمل، فتعلم العلم والتفقه في دين الله ﷿ من أعظم أسباب زكاة النفس، وذلك أنَّ العبادات تزكو في نفسها بأمرين: بالإخلاص لله في النية، وبامتثال هدي النبي ﷺ في العمل.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب: من يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين، حديث رقم (٧١)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب: النهي عن المسألة، حديث رقم (١٠٣٧).
[ ٢٨ ]
ولهذا كان من أعظم أسباب التفاضل فِي العمل: الإخلاص، والمتابعة (^١).
فإذا كان المسلم على فقهٍ بدينه عرف كيف تزكو صلاته؟ وكيف يزكو صيامه؟ وكيف تزكو صدقته؟ وكيف يزكو ذِكْرُهُ؟ وكيف يزكو أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر؟
فكل عمل إذا ما تنبه العامل لأسباب التفاضل فيه أدرك أنَّ الأعمال تتفاضل في نفسها باعتبارات كثيرة، فليست الصلاة الكاملة المكملة بالسنن بعد المحافظة على الأركان والواجبات وتحقيق الشروط كالصلاة التي حصل فيها نقص، فإذا كانت هذه الصلاة هي صلاة العبد في كلِّ حين وفي كلِّ وقت، فلا شك أنه يكون من أفضل من صلَّى لله ﷿، فتحصل له زكاة ورِفعة عند الله ﷿ بقدر امتثاله لتأدية هذه
_________________
(١) انظر التفصيل في ذلك في كتابي «تجريد الاتباع في أسباب التفاضل في الأعمال» الفصلين الثالث والرابع.
[ ٢٩ ]
العبادة على الوجه المشروع، كما أن العبادات تفضل
أيضًا باعتبارات أخرى.
فتفضل باعتبار المداومة على العمل، والاقتصاد فيه، وتعديه للناس، وتأديته في زمن أو مكان فاضلين، إلى غير ذلك من أسباب التفاضل التي يفضل بها العمل ويزكو عند الله.
ولهذا سُئل النبي ﷺ عن أفضل العمل وأجاب بإجابات متعددة تكلم العلماء في توجيهها (^١)، ومن تأمل هذا الباب وجده بابًا عظيمًا من أبواب الخير، مَنْ وُفِّق للعمل به على هذا النحو وعلى ما دلَّت عليه النصوص كان من السابقين إلى أفضل الأعمال وأعلى الدرجات عند الله تعالى.
_________________
(١) وقد يسَّر الله T دراسة هذه المسألة، وتحقيق القول فيها، وذكر أوجه التفاضل في الأعمال على وجه التفصيل في «كتاب تجريد الاتباع في أسباب التفاضل في الأعمال».
[ ٣٠ ]