ثُمَّ إن من أسباب تزكية النفس أيضًا: أن يكون العبد على علم بأسباب الوقاية من الذنوب وعلى علم بالمكفرات، إذا أصابه ذنب يعلم ما الذي يكفره من الطاعات، وهذا ما أرشد إليه النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه لليمن فقال: «اتَّقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (^١).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد من حديث معاذ، حديث رقم (٢٢٠٣٩)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في معاشرة الناس، حديث رقم (١٩٨٧)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم (٩٧).
[ ٣٧ ]
فأرشده النبي ﷺ إلى تقوى الله، ثم إن حصل منه تقصير أرشده إلى أن يُتبع السيئةَ الحسنةَ حتى تمحوها وتكفرها.
فإذن؛ العبد له مراقبة للذنب قبل وقوعه بأن يتجنب أسباب تقدير الله ﷿ له، وأن يكون على حذر من الوقوع في الذنوب بكل صور الحذر من مخالطة أهل الشر والفتنة، ومن الدخول في المجالس التي لا يكاد يسلم منها من دخلها، فيتجنب الأسباب ثُمَّ إذا وقع في الذنب عرف كيف يمحوه وكيف يذهب بأثره، بأن يتبع السيئة الحسنة ويستغفر ويتوب، فيكون على عناية بالعلاج كما أنه على عناية بالوقاية.
والوقاية كما تقدم هي باب واسع أيضًا لا يمكن الإحاطة بكل تفاصيلها، ولكن من أعظم ما جاء به الشرع من أسباب الوقاية من الذنوب هو سد الذرائع المفضية إليها، مثل ما
[ ٣٨ ]
نهى النبي ﷺ في قوله: «لا يخلون رجل بامرأة إلَّا كان ثالثهما الشيطان» (^١).
فالخلوة بالمرأة الأجنبية ذريعة إلى المعصية، ويسهل على الإنسان أن يتجنب هذا، لكن يصعب عليه إذا خلا بها أن يمتنع من النظر، ثم إذا وقع النظر أصبح الأمر أشد، فإذا وقع ما هو فوق النظر زادت الفتنة واشتد البلاء إلى أن تأتي الفتنة العظيمة والمصيبة الكبيرة في وقوعه في الزنا، ثم بعد ذلك لربَّما استمرى الأمر وأصبح هذا الذنب من ذنوبه التي هو مداوم عليها ومصِّر عليها، فلربَّما لقي الله بها.
فيسهل على الإنسان أن يتجنب أسباب الفتنة من أصلها، ولهذا ذكر الإمام ابن القيم: «إن أول ما يطرق القلب
_________________
(١) رواه الترمذي في كتاب الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة، حديث رقم (٢١٦٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم (٢٥٤٦).
[ ٣٩ ]
الخطرة، فإن دفعها استراح ممَّا بعدها، وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة؛ فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة، فإن عالجها وإلا صارت إرادة، فإن عالجها وإلا صارت عزيمة، ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها، واقترن بها الفعل ولابد» (^١).
فهذه الأمور إذا تنبَّه لها الإنسان أدرك أنَّ تحقيق باب سدِّ الذرائع بغضِّ البصر عن النساء وعن الصور المحرمة، وكذلك تجنب أسباب الفتنة كالأسواق ومجالس العوام الذين لا يُبالون بدينهم، وفي مقابل هذا مجالسة الصالحين وكثرة المكث في المساجد، والاعتزال في البيوت عند وجود الفتنة، وعدم مخالطة أهل الشرِّ، كل هذه من أعظم أسباب الوقاية من الذنوب والمعاصي.
ولهذا كان السلف في عصور مضت يرون أنَّ العُزلة قد آن وقتها؛ لكثرة الشر والفتنة، ولكنَّ العُزلة أيضًا لها أحكام
_________________
(١) «التبيان في أقسام القرآن» (ص ٢٦٣).
[ ٤٠ ]
وشروط وقيود ينبغي أن تُفقه، فالذي يعتزل مع العلم والفقه، مع تأديته للواجبات من الصلاة في المساجد وغيرها فهو على خير، وأمَّا من يعتزل مع جهل فلربَّما استحوذ عليه الشيطان ولبَّس عليه في دينه.