من أسباب تزكية النفس أيضًا: أنَّ الإنسان إذا وُفِّق للطاعة أن يحمد الله عليها كما قال الله ﷿ في الحديث القدسي: «فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلَّا نفسه» (^١).
فالإنسان إذا وفقه الله إلى الطاعة عليه أن يعلم أنَّ هذا من توفيق الله له، وأنَّ هذا من مِنَّة الله عليه، فهذا له فوائد كثيرة:
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، حديث رقم (٢٥٧٧).
[ ٤١ ]
فالعبد إذا أثنى على الله ﷿ بِمَا منَّ عليه من الطاعة يكون قد أدَّى شكر هذه النعمة، والشكر هو قيد النعم، فإذا شكر ربه على توفيقه للطاعة وقال: اللهم ما وفقتني إليه من العمل فمنك، فأسألك أن تتقبله مني، يكون هذا من أعظم أسباب القبول، ومِمَّا يورثه الاستقامة على هذه الطاعة لأنَّه يُثني على الله بها، ويعلم أنَّها من الله، وأمَّا إذا نسب الطاعة لنفسه وأنه أدَّاها بحوله وقوته؛ فهذا من أسباب الخذلان وعدم التوفيق، ويُخشى على العبد أن يُسلب هذه النعمة.
ومن آثار الثناء على الله ﷿ بالطاعة أنَّ العبد إذا عرف أنَّ طاعته هي من مِنَّة الله عليه، فإنَّ هذا يورثه الذل والخضوع لله، ويكسر في نفسه العُجب فلا تجده مُعجبًا بعمله ولا معجبًا بعبادته، وإنّما هو ذليل خاضع لربِّه، وهذا مِمَّا يزيده رفعة عند الله، ولهذا كان السلف يُفضِّلون العبادة مع الذلِّ والانكسار.
[ ٤٢ ]
قال مطرف بن عبد الله الشخير: «لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا وأصبح مُعجبًا» (^١).
لأن مقام العبودية هو الذلُّ والخضوع والانكسار لله ﷿، ومنزلة المتعالي المتكبر بعبادته ليست من منازل العبودية وإنَّما هي من تلبيس الشيطان، فإذا عرف العبد أنَّ طاعته مِنَّة من الله أثنى على الله بها، كما قلنا في الذنوب يعرف أنَّ ذنبه منه، وأنَّ طاعته بتوفيق الله، وهذه من أفضل المراتب التي تزكو بها النفس، عندما يعلم الإنسان أنَّ ما وُفق له من خير فهذا من توفيق الله له، وما وقع فيه من الذنوب فبسبب ذنوبه وتقصيره.
فمن كان على هذه الحال يُرجى له التوفيق والهداية والاستقامة على طاعة الله ﷿ لحسن ظنِّه بربِّه ﷿ ومقته لنفسه.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ٢٠٠).
[ ٤٣ ]