كما أنَّ من أسباب تزكية النفس: الاشتغال بأفضل الأعمال بحسب اختلاف الأحوال والأمكنة والأزمان؛ فيمتثل الإنسان طاعة الله ﷿ بحسب حاله في ذلك الزمان، فإذا كان المقام مقام دعوة اشتغل بدعوة الناس وإرشادهم، وإذا كان المقام مقام طلب للعلم طلب العلم، وإذا كان المقام مقام إعانة الناس والإنفاق عليهم في حوائجهم وفيما يحتاجون إليه أنفق عليهم.
ولهذا فالعبادة تَفْضُل بقدر انتفاع الناس بها، فقد يكون الزمن زمن فقر وحاجة فالإنفاق على المحتاجين وسد حاجتهم أفضل من الاشتغال بالعبادات القاصرة على النفس.
وإذا كان المقام مقام فتنة تموج بالناس وتلتبس عليهم الأمور فمقام بيان الحق وإزالة الشبه من أفضل المقامات ولا يعدله مقام.
[ ٤٤ ]
فإذا كان العبد فقيهًا بهذه المسائل، على عناية بها، فإنه يشتغل بأفضل العمل بحسب الزمان والمكان والحال، وأما إن لم يكن على علم وفقه فلربَّما اشتغل بعمل مفضول يُفوِّت عليه الكثير من الأعمال الفاضلة، وهذا الأمر عدَّه العلماء من تلبيس الشيطان.
كما ذكر الإمام ابن القيم في سياق ذكر العقبات التي يلبس بها الشيطان على الإنسان، قال ﵀: «العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له.
وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحًا … فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له» (^١).
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٢٢٥).
[ ٤٥ ]
فإذن هذه مرتبة من مراتب تلبيس الشيطان أن يشغل الإنسان بعبادة مفضولة ليفوِّت عليه عبادة فاضلة أفضل منها.
والأمر كلُّه مرجعه إلى توفيق الله ﷿ مع ما يبذله العبد من الأسباب من دعاء الله والتوكل عليه وغيرها من الأسباب السابقة.
فهذا بعض ما أردت التنبيه عليه في هذا الباب العظيم، وهو باب واسع كما سبق التنويه عليه، ولكن هذه إشارات مختصرة؛ أسأل الله ﷿ أن تكون نافعة ومؤدية للغرض من التنبيه على هذا الباب العظيم الذي أسأل الله ﷿ أن يوفقنا للعمل له، وأن يُعيننا على أنفسنا، وأن يرزقنا زكاة النفس، والامتثال لطاعة الله ﷿.
هذا وأسأل الله ﷿ للجميع العلم النافع والعمل الصالح، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
[ ٤٦ ]