الإخلاص: هو تجريد قصد التقرب إلى الله ﷿ عن جميع الشوائب.
وقيل: هو إفراد الله ﷿ بالقصد فى الطاعات.
وقيل: هو نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.
والإخلاص شرط لقبول العمل الصالح الموافق لسنة رسول الله - ﷺ -، وقد أمرنا الله ﷿ به فقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ (البينة: من الآية ٥).
وعن أبى أمامة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أرأيت رجل غزا يلتمس الأجرَ والذكْر ماله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (لا شىء له)، بأعادها ثلاث مرات ويقول رسول الله - ﷺ -: (لاشىء له)، ثم قال: (إن الله ﷿ لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه) (١).
وعن أبى سعيد الخدرى - ﵁ - عن النبى - ﷺ - أنه قال فى حجة الوداع: (نضر الله امرءًا سمع مقالتى فوعاها، فرب حامل لفقه ليس بفقيه، ثلاث لايغل عليهن قلب امرىء مؤمن: إخلاص العمل لله،
_________________
(١) رواه النسائى (٦/ ٢٥) الجهاد، وحسنه العراقى فى تخريج الإحياء (٤/ ٢٨)، وقال المنذرى فى الترغيب (١/ ٢٤): إسناده جيد، وحسنه الألبانى فى الصحيحة رقم (٥٢).
[ ٧ ]
والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم) (١).
والمعنى: أن هذه الثلاثة تستصلح بها القلوب، فمن تخلق بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر.
ولا يتخلص العبد من الشيطان إلا بالإخلاص لقول الله ﷿:
﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: الآية ٨٣). وروى أن أحد الصالحين كان يقول لنفسه: " يانفس أخلصى تتخلصى ".
وكل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، قلّ أم كثر، إذا تطرق إلى العمل، تكدر به صفوه، وزال به إخلاصه، والإنسان مرتبط فى حظوظه، منغمس فى شهواته، قلما ينفك فعلٌ من أفعاله، وعبادةٌ من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس، فلذلك قيل: " من سلم له من عمره لحظةٌ واحدةٌ خالصةٌ لوجه الله نجا "، وذلك لعزة الإخلاص، وعُسْرِ تنقية القلب عن الشوائب، فالإخلاص: تنقية القلب من الشوائب كلها، قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيه قصدُ التقرب فلا يكون فيه باعثُ سواه، وهذا لا يتصور إلا من محب لله مستغرق الهم بالآخرة، بحيث لم يبق لحب الدنيا من قلبه قرارٌ، فمثل هذا لو أكل، أو شرب، أو قضى حاجته، كان خالص العمل، صحيح النية، ومن ليس كذلك فبابُ الإخلاص مسدودٌ عليه إلا على الندور.
وكما أن مَنْ غلب عليه حب الله، وحب الآخرة، فاكتسبت حركاتهُ الاعتيادية صفة همه، وصارت إخلاصًا، فالذى يغلب على نفسه الدنيا والعلو والرياسة، وبالجملة غير الله، اكتسبت جميع حركاته تلك الصفة،
_________________
(١) رواه الترمذى (١٠/ ١٢٦) العلم، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١/ ٨٤) المقدمة، والدارمى (١/ ٧٦)،والبغوى فى شرح السنة (١/ ٢٣٦)، وأحمد (٤/ ٨٠،٨٢)، وصححه الألبانى.
[ ٨ ]
فلا تسلم له عبادةٌ من صومٍ، وصلاة وغير ذلك إلا نادرًا.
فعلاج الإخلاص كسرُ حظوظ النفس، وقطعُ الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة، بحيث يغلب ذلك على القلب، فإذ ذاك يتيسر به الإخلاص، وكم من أعمل يتعب الإنسان فيها، ويظن أنها خالصةٌ لوجه الله، ويكون فيها من المغرورين، لأنه لم يَرَ وجهَ الآفة ِ.
كما حُكى عن بعضهم: أنه كان يصلى دائمًا فى الصف الأول، فتأخر يومًا عن الصلاة فصلى فى الصف الثانى، فاعترتْه خجلةٌ من الناس حيث رأوْه فى الصف الثانى، فَعَلم أن مسرته وراحة قلبه منِ الصلاة فى الصف الأول كانت بسبب نظر الناس إليه، وهذا دقيقٌ غامضٌ قَلّما تسلم الأعمال من أمثاله، وقلّ من ينتبه له إلا من وفقه الله تعالى، والغافلون عنه يَرَوْنَ حسناتهم يوم القيامة سيئات، وهم المقصودون بقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ (الزمر: من الآيتين ٤٧،٤٨).
وبقوله ﷿: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: الآية ١٠٣ - ١٠٤).
[ ٩ ]