قال الله تعالى: ﴿ْ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ماَ آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (آل عمران: الآية ٥٧ - ٦١).
وقد روى الترمذى فى جامعه عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: " لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون فى الخيرات " (١).
عن أنس - ﵁ - قال: خطب رسول الله - ﷺ - خطبة ما سمعت مثلها فقط، فقال: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا " فغط أصحاب رسول الله - ﷺ - وجوههم ولهم خنين، وفى رواية: بلغ رسول الله - ﷺ - عن أصحابه شىء فخطب، فقال: " عرضت على الجنة والنار فلم أر كاليوم من الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا " فما أتى على أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم أشد منه
_________________
(١) رواه الترمذى (١٢/ ٤) التفسير وابن ماجه (٤١٩٨)، والحاكم (٢/ ٣٩٤) التفسير، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى، وفى سنده انقطاع وله شاهد عند ابن جرير، وانظر جامع الأصول (٢/ ٢٥٤) وصححه الألبانى.
[ ١١٢ ]
غطوا رؤوسهم ولهم خنين " (١).
ومعنى الحديث: لو أنكم علمتم ما أعلمه من عظمة الله ﷿، وانتقامه ممن يعصيه، لطال بكاؤكم وحزنكم وخوفكم مما ينتظركم، ولما ضحكتم أصلًا، فالقليل هنا بمعنى المعدوم، وهو مفهوم من السياق.
وروت السيدة عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تغيّر الهواء وهبت ريح عاصفة يتغير ويتردد فى الحجرة ويدخل ويخرج، كل ذلك خوفًا من عذاب الله (٢).
وروى عبد الله بن الشخير: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا دخل فى الصلاة يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل (٣).
ومن تأمل أحوال الصحابة ﵃ ومن بعدهم من الصالحين من سلف هذه الأمة، وجدهم فى غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والأمن.
فهذا الصديق - ﵁ - يقول: وددت أنى شعرة فى جنب عبد
_________________
(١) رواه البخارى (١١/ ٣١٩) الرقاق، والترمذى (٩/ ١٢٤) الزهد. والخنين: هوالبكاء مع غنة بانتشار الصوت من الأنف.
(٢) رواه البخارى (٦/ ٣٤٧) بدء الخلق بمعناه ومسلم (٦/ ١٩٦) الاستسقاء.
(٣) رواه أبو داود (٨٩٠) الصلاة بلفظ الرحى، والنسائى (٣/ ١٣) والسهو، وأحمد (٤/ ٢٥،٢٦) وصححه الألبانى، وقال السيوطى: " أزيز": أى خنين من الجوف وهو صوت البكاء وهو أن يجيش جوفه ويغلى بالبكاء: كأزيز المرجل " وهو بالكسر: الإناء الذى يغلى فيه الماء سواء كان من حديد أو صفيح، أو حجارة أو خزف - هامش (٣/ ١٣) النسائى. وقال فى المرقاة: وفى الحديث دليل على أن البكاء لا يبطل الصلاة سواء ظهر منه حرفان أم لا واستدل على جواز البكاء فى الصلاة بقوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سُجّدا وبُكيًا﴾ (مريم ٥٨). عون المعبود (٣/ ١٧٣).
[ ١١٣ ]
مؤمن، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله ﷿.
وهذا عمر بن الخطاب - ﵁ - قرأ سورة الطور حتى بلغ: ﴿إنّ عَذابَ ربِكَ لَواقِعٌ﴾ (الطور: الآية ٧). بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو يموت: ويحك ضع خدى على الأض عساه يرحمنى ثم قال: ويل أمى لم يغفر لى -ثلاثًا -ثم قضى، وكان يمر بالآية فى ورده بالله تخيفه فيبقى فى البيت أيامًا يعاد يحسبونه مريضًا، وكان فى وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء.
وقال له ابن عباس: " مصّر لله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح وفعل " فقال: " وددت أن أنجو لا أجر ولا وزر ".
وهذا عثمان بن عفان - ﵁ - كان إذا وقف على القبر يبكى حتى يبل لحيته، قال: " لو أننى بين االجنة والنار ولا أدرى إلى أيتهما أصير لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير ".
وهذا أبو الدرداء - ﵁ - كان يقول: " لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت، ماأكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة أبدًا، ولا دخلتم بيتًا تستظلون به، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أنى شجرة تعضد ثم تؤكل ".
وكان ابن عباس - ﵁ - أسفل عينيه مثل الشراك البالى من كثرة الدموع.
وقال علىّ -كرم الله وجهه- قد سلّم من صلاة الفجر، وقد علاه كآبة وهو يقلب يده: " لقد رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - فلم أر اليوم شيئًا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثًا صفرًا غبرًا بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجدًا وقياما يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم
[ ١١٤ ]
وأقدامهم، فإذا أصبحوا ذكروا الله تمادوا كما يميد الشجر فى يوم الربح، وهملت أعينهم بالدموع حتى يتبل ثيابهم، والله فكأتى بالقوم باتوا غافلين". ثم قام فما رؤى بعد ذلك ضاحكًا حتى ضربه ابن ملجم.
وقال موسى بن مسعود: " كنا إذا جلسنا إلى سفيان كأن النار قد أحاطت بنا لما نرى من خوفه وجزعه ".
ووصف أحدهم الحسن فقال: " كان إذا أقبل فكأنما أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسير أمر بقطع رقبته، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له ".
ورُوى أن زرارة بن أبى أوفى صلّى بالناس الفجر بسورة المدثر، فلما قرأ قوله ﵎: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (المدثر: الآية ٨ - ٩). أخذته شهقة فمات.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن قال: " ابكوا فإن لم تبكو فتباكوا، فوالذى نفسى بيده: لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته، وصلى حتى ينكسر صلبه ".
[ ١١٥ ]