إذا سكنت النفس إلى الله ﷿ واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهى مطمئنة، وهى التى يقال لها عند الوفاة.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة﴾ (الفجر: ٢٧ - ٢٨).
قال ابن عباس - ﵁ -: المطمئنة المصدقة، وقال قتادة: هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله، وصاحبها يطمئن فى باب معرفة أسمائه وصفاته إلى خبره الذى أخبر عن نفسه وأخبر به عند رسوله ص ثم يطمئن إلى خبره عما بعد الموت من أمور البرزخ وما بعده من أحوال القيامة حتى كأنه يشاهد ذلك كله عيانًا، ثم يطمئن إلى قدر الله ﷿ فيسلم له ويرضى ن فلا يسخط، ولا يشكو، ولا يضطرب إيمانه، فلا يأسى على ما فاته، ولا يفرح بما آتاه، لأن المصيبة فيهمقدرة قبل أن تصل إليه، وقبل أن يخلق، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: من الآية ١١).
قال غير واحد من السلف: هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنا من عند الله فيرضى ويسلم.
وأما طمأنينة الإحسان فهى الطمأنينة إلى أمره امتثالًا وإخلاصًا ونصحًا، فلا يقدم على أمره إرادة ولا هوى، ولا تقليدًا، ولا يساكن شبهة تعارض خبره، ولا شهوة تعارض أمره، بل إذا مرّت به أنزلها منزلة الوساوس التى
[ ٦٧ ]
لئن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يجدها، فهذا كما قال النبى - ﷺ -: " صريح الإيمان (١)، وكذلك يطمئن من قلق المعصية، وانزعاجها إلى سكون التوبة وحلاوتها.
فإذا اطمأن من الشكّ إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الخيانة إلى التوبة ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن العجز إلى الكيس، ومن صولة العجب إلى ذلة الإخبات، ومن التيه إلى التواضع، فعند ذلك تكون نفسه مطمئنة.
وأصل ذلك كله هى اليقظة، التى كشفت عن قلبه سِنة الغفلة وأضاءت له قصور الجنة، فصاح قائلًا:
ألا يا نفس ويحك ساعدينى بسعى منك فى ظلم الليالى
لعلك فى القيامة أن تفوزى بطيب العيش فى تلك العلالى
فرأى فى ضوء هذه اليقظة ما خلق له، وما سيلقاه بين يديه من حين الموت إلى دخول دار القرار، ورأى سرعة انقضاء الدنيا، وقلة وفائها لبنيها وقتلها لعشاقها، وفعلها بهم أنواع المثلات، فنهض فى ذلك الضوء على ساق عزمه قائلًا: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية ٥٦).
فاستقبل بقية عمره مستدركًا ما فات، محييًا ما مات، مستقبلًا ما تقدم
_________________
(١) رواه مسلم (٢/ ١٥٣) الإيمان ولفظه عن أبى هريرة قال: جاء ناس من أصحاب النبى - ﷺ - فسألوه، إنا نجد فى أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال: " وقد وجدموه؟ قالوا: نعم، قال: " ذاك صريح الإيمان". وروى مسلم كذلك عن ابن مسعود قال: سئل النبى - ﷺ - عن الوسوسة قال: " تلك محض الإيمان " قال النووى: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققًا وانتفت عنه الريبة والشك - شرح النووى على صحيح مسلم (٢/ ١٥٤).
[ ٦٨ ]
له من العثرات، منتهزًا فرصة الإمكان التى إن فاتت فاته جميع الخيرات، ثم يلحظ فى نور تلك اليقظة وفور نعمة ربه عليه، ويرى أنه آيسٌ من حصرها وإحصائها، عاجزٌ عن آداء حقها، ويرى فى تلك اليقظة عيوب نفسه، وآفات عمله، وما تقدم له من الجنايات والإساءات والتقاعد عن كثير من الحقوق والواجبات، فتنكسر نفسه وتخشع جوارجه، ويسير إلى الله ناكس الرأس بين مشاهدة نعمه، ومطالعة جناياته، وعيوب نفسه، ويرى أيضًا فى ضوء تلك اليقظة عزة وقته، وخطره، وأنه رأس مال سعادته فيبخل به فيما لا يقربه إلى ربه، فإن فى إضاعته الخسران والحسرة، وفى حفظه الربح والسعادة.
فهذه آثار اليقظة وموجباتها، وهى أول منازل النفس المطمئنة التى ينشأ منها سفرها إلى الله والدار الآخرة.