الخوف: سوط الله يسوق به عباده إلى العلم والعمل لينالوا بهما القرب من الله تعالى، وهو عبارة عن: تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه فى الاستقبال، والخوف هو الذى يكف الجوارح عن المعاصى ويقيدها بالطاعات.
والخوف القاصر يدعو إلى الغفلة والجرأة على الذنب والإفراط فى الخوف يدعو إلى اليأس والقنوط.
والخوف من الله تعالى تارة يكون لمعرفة الله تعالى، ومعرفة صفاته، وأنه لو أهلك العالمين لم يبال، ولم يمنعه مانع، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصى، وتارة يكون بهما جميعًا، أو بحسب معرفته بعيوب نفسه، ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه، وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، تكون قوة خوفه.
فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال - ﷺ -: " والله إنى لأعلمهم بالله وأشدهعم له خشية " (١).
وقيل للإمام الشعبى: يا عالم: قال إنما العالم من يخشى الله وذلك لقول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: من الآية ٢٨).
_________________
(١) رواه البخارى (١٠/ ٥١٣) الأدب، ومسلم (١٥/ ١٠٦) الفضائل، وأحمد (٦/ ٤٥،١٨١).
[ ١٠٨ ]
وقال ابن مسعود - ﵁ -: " كفى بخشية الله علمًا وكفى بالاغترار جهلًا".
ولذلك قيل: ليس الخائف من يبكى ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه، وقيل لذى النون المصرى: متى يكون العبد خائفًا؟ قال: " إذا نزل نفسه منزلة السقيم الذى يحتمى مخافة طول السقام ".
وقال أيو القاسم الحكيم: " من خاف شيئًا هرب منه، ومن خاف الله هرب إليه ".
وقال الفضيل بن عياض: " إذا قيل لك: هل تخاف الله فاسكت فإنك إن قلت: نعم، كذبت، وإن قلت: لا، كفرت ".
والخوف يحرق الشهوات المحرمة فتصير المعاصى المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل مكروهًا، عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سمًا، فتحرق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويحصل فى القلب الخضوع والذلة والاستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد، بل بصير مستوعب الهم بخوفه، والنظر فى خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة، والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس بالخطرات، والخطوات والكلمات، ويكون حاله حال من وقع فى مخلب سبع ضار، لايدرى أنه يغفل عنه فيفلت، أو يهجم عليه فيهلك، فيكون بظاهره وباطنه مشغولًا بما هو خائف منه لا متسع فيه لغيره، فهذا حال من غلبه الخوف.
[ ١٠٩ ]