أن الله سبحانه جعل الصبر جوادًا لايكبو، وصارمًا لاينبو، وجندًا غالبًا لايهزم، وحصنًا حصينًا لايهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، وقد مدح الله ﷿ فى كتابه الصابرين، وأخبر أنه يؤتيهم أجرهم بغير حساب، وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز، وفتحه المبين، فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية ٤٦)
فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، ففازوا بها ينعمه الباطنة والظاهرة، وجعل سبحانه الإمامة فى الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى - وبقوله اهتدى المهتدون:: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: الآية ٢٤)
وأخبر تعالى أن الصبر خيرٌ لأهله مؤكدًا باليمين، فقال تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ (النحل: من الآية ١٢٦)
وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيدٌ العدو ولو كان ذا تسليط،
[ ٧٦ ]
فقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: من الآية ١٢٠)
وعلق الفلاح بالصبر والتقوى، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: الآية ٢٠٠)
وأخبر عن محبته لأهله، وفى ذلك أعظم ترغيب للراغبين، فقال تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٤٦)
وبشّر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون: فقال تعالى:: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: من الآية ١٥٥ والآية ١٥٦، ١٥٧)
وجعل الفوز بالجنة، والنجاة من النار، لايحظى به إلا الصابرون، فقال ﷿:: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (المؤمنون: الآية ١١١)
وخص فى الانتفاع بآياته أهل الصبر، وأهل الشكر، تمييزًا لهم بهذا الحظ الموفور، فقال فى أربع آيات من كتابه جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (من الآيات: إبراهيم: ٥، لقمان ٣١، سبأ ١٩، الشورى ٣٣)
والصبر آخية المؤمن التى يجول ثم يرجع إليها، وساقُ إيمانه التى لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمان قليل فى غاية الضعف، وصاحبه ممن يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ولم يحظ منها إلا بالصفقة
[ ٧٧ ]
الخاسرة، فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم، وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم فساروا بين جناحى الصبر والشكر إلى جنات النعيم، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد: من الآية ٢١)
[ ٧٨ ]