الصبر لغة: هو المنع والحبس، وشرعًا فهو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكى، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، ونحوهما.
وقيل: هو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التى بها صلاح شأنها وقوام أمرها.
سئل عنه الجنيد فقال: " تجرع المرارة من غير تعبس ".
وقال ذو النون المصرى: " هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غُصص البلية، وإظهار الغنى مع الحلول الفقر بساحات المعيشة ".
وقيل: " الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب ".
وقيل: " هو الغنى فى البلوى بلا ظهور شكوى ".
ورأى أحد الصالحين رجلًا يشتكى إلى أخيه فقال له: ياهذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.
وقيل فى ذلك:
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكى الرحيم إلى الذى لايرحمُ
والشكوى نوعان: شكوى إلى الله ﷿ وهذه لا تنافى الصبر، كقول يعقوب - ﵇ -: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (يوسف: من الآية ٨٦)
[ ٧٩ ]
مع قوله: ﴿فَصَبْرٌجَمِيلٌ﴾ (يوسف: من الآية ٨٣)
والنوع الثانى: شكوى المبتلى بلسان الحال أوالمقال، فهذه لاتجامع الصبر بل تضاده وتبطله.
وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر، ولا يناقض هذا قوله - ﷺ -: وما أعطا أحد عطاءًا خيرًا وأوسع من الصبر "، فإن هذا بعد نزول البلاء فساحة الصبر أوسع الساحات، أما قبل نزوله فساحة العافية أوسع.
والنفس مطية العبد التى يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطية، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت فى كل مذهب، وحفظ من خطب الحجاج: " إقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء، فرحم الله امرءًا جعل لنفسه خطامًا وزمامًا فقادها بخاطمها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصى الله، فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.
والنفس لها قوتان: قوة الإقدام وقوة الإحجام، .. فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكا عما يضره، ومن الناس من يصبر على قيام الليل ومشقة الصيام، ولا يصبر على نظرة محرمة، ومنهم من يصبر على النظر والإلتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد.
وقيل: الصبر شجاعة النفس، ومن ها هنا أخذ القائل قوله: " الشجاعة صبر ساعة "، والصبر والجزع ضدان، كما أخبر ﷾ عن أهل النار: ﴿سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ (إبراهيم: من الآية ٢١)
[ ٨٠ ]