وضرورة الذكر للقلب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه -: " الذكر للقلب كالماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا أخرج من الماء"، وقد ذكر الإمام شمس الدين ابن القيّم ما يقرب من ثمانين فائدة فى كتابه: " الوابل الصيب "، فننقل بعضها بإذن الله تعالى، وننصح بالعودة إلى الكتاب المذكور لعظيم نفعه، ومن هذه الفوائد:
أن الذكر قوت القلب والروح، فإذا فقه العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته، ومنها أنه يطرد الشيطان، ويقمعه، ويكسره، ويرضى الرحمن ﷿ ويزيل الهمّ والغمّ عن القلب، ويجلب له الفرح والسرور والبسط، وينور القلب والوجه، ويكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة، ويورثه محبة الله ﷿، وتقواه، والإنابة إليه، وكذلك يورث العبدّ ذكر الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية ١٥٢).
ولو لم يكن فى الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا ويورث جلاء القلب من الغفلة، ويحط الخطايا.
ورغم أنه من أيسر العبادات، العطاء والفضل الذى رتب عليه لم يرتب على غيره من الأعمال.
عن أبى هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شىء قديرٌ، فى اليوم مائة مرة كانت له عدل عشرة رقاب، وكتبت له مائة
[ ٣٦ ]
حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسى، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه " (١).
وعن جابر عن النبى - ﷺ - قال: " من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة فى الجنة " (٢).
وقال ابن مسعود - ﵁ -: " لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إلىّ من أن أنفق عددهم دنانير فى سبيل الله ﷿ ".
والذكر دواء لقسوة القلوب، كما قال رجل للحسن: يا أبا سعيد: أشكو إليك قسوة قلبى، قال: " أذبه بالذكر "، وقال مكحول: " ذكر الله شفاءٌ وذكر الناس داءٌ "، قال رجل لسلمان: أى الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (العنكبوت من الآية: ٤٥).
وعن أبى موسى عن النبى - ﷺ - قال: " مثل الذى يذكر ربه والذى لايذكر ربه مثل الحىّ والميت " (٣).
ودوام الذكر تكثير لشهود العبد يوم القيامة، وسبب لاشتغال العبد عن الكلام الباطل من الغيبة والنميمة وغير ذلك، فإما لسان ذاكر وإما لسان لاغِ، فمن فُتح له بابُ الذكر فقد فُتح له بابُ الدخول على الله ﷿،
_________________
(١) رواه البخارى؛ (٦/ ٣٣٨، ٣٣٩) بدء الخلق، ومسلم (١٧/ ١٧) الذكر، والترمذى (١٣/ ١٦،١٧). الدعاء.
(٢) رواه الترمذى (٣٥٣١ تحفة) الدعوات، وابن حبان (٢٣٣٥) موارد، والحاكم (١/ ٥٠١، ٥٠٢) وقال الترمذى: حسن صحيح وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبى وصححه الألبانى فى الصحيحة.
(٣) رواه البخارى (١١/ ٢٠٨) الدعوات، ومسلم (٦/ ٦٨) صلاة المسافرين بلفظ: " مثل البيت الذى لا يذكر الله فيه، والبيت الذى يذكر الله فيه مثل الحىّ والميت ".
[ ٣٧ ]
فليتطهر وليدخل على ربه ﷿، يجد عنده ما يريد، فإن وجد ربه ﷿ وجد كل شىء، وإن فاته ربه ﷿ فاته كل شىء.
وللذكر أنواع: منها: ذكر أسماء الله ﷿، وصفاته، ومدحه، والثناء عليه بها، نحو: " سبحان الله "، و" الحمد الله "، و" لا إله إلا الله "، ومنها: الخبر عن الله ﷿ بأحكام أسمائه وصفاته، نحو: الله ﷿ يسمع أصوات عباده ويرى حركاتهم، ومنها: ذكر الأمر والنهى كأن تقول: إن الله ﷿ أمر بكذا، ونهى عن كذا.
ومن ذكره ﷾ ذكرُ آلائه وإحسانه، وأفضل الذكر: تلاوة القرآن، وذلك لتضمنه لأدوية القلب وعلاجه من جميع الأمراض، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس من الآية: ٥٧).
وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء من الآية: ٨٢)
وأمراض القلب تجمعها أمراض الشبهات والشهوات، والقرآن شفاء للنوعين، ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل فتزول أمراض الشبه المفيدة للعلم، والتصور، والادراك بحيث يرى الأشياء على ما هى.
فمن درس القرآن وخالط قلبه، أبصر الحق والباطل وميزّ بينهما، كما يميز بعينيه بين الليل والنهار، وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة، بالتزهيد فى الدنيا، والترغيب فى الآخرة.
وبالجملة فأنفع شىء للعبد هو ذكر الله ﷿: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:٢٨).
وأفضل الذكر تلاوة كتاب الله ﷿ ّ.
[ ٣٨ ]
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر:٢٩ - ٣٠).
وعن عثمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " (١).
وعن عائشة (﵂) قالت: قال رسول الله - ﷺ -:" الذى يقرأ القرآن وهو ماهر فيه مع السفرة الكرام البررة، الذى يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران " (٢).
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " (٣).
وقال خباب - ﵁ -: " تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشىء أحب إليه من كلامه ".
وقال عثمان بن عفان - ﵁ -: " لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم ".
وقال ابن مسعود - ﵁ -: " من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله فليعرض نفسه على القرأن، فإن أحب القرآن فهو يحب الله فإنما القرآن كلام الله ".
_________________
(١) رواه البخارى (٩/ ٦٦/٦٧) فضائل القرآن، والترمذى (١١/ ٣٢) ثواب القرآن، وأبو داود (١٤٣٩) الصلاة.
(٢) رواه البخارى (٨/ ٦٩١) التفسير، ومسلم (٦/ ٨٤) صلاة المسافرين، وأبو داود (١٤٤١) الصلاة، والترمذى (١٢/ ٢٩) فضائل القرآن.
(٣) رواه الترمذى (١١/ ٣٤) فضائل القرآن، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٣٩ ]