التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله ﷿ فى استجلاب المصالح ودفع المضار فى أمور الدنيا والآخرة.
قال الله ﷿: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: من الآية ٢، ٣).
فمن حقق التقوى والتوكل، اكتفى بذلك فى مصالح دينه ودنياه.
وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النبى - ﷺ - قال: " لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا " (١). - حسن صحيح -.
قال أبو حاتم الرازى: هذا الحديث أصل فى التوكل وأنه من أعظم الأسباب التى يستجلب بها الرزق.
وقال سعيد ابن جبير: " التوكل جماع الإيمان"، وتحقيق التوكل لا ينافى الأخذ بالأسباب التى قدر الله ﷾ المقدرات بها، وجرت سنته فى خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطى الأسباب، مع أمره بالتوكل، فالسعى فى الأسباب بالجوارح طاعة لله، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: من الآية ٧١).
_________________
(١) رواه الترمذى (١٠/ ٢٠٨) الزهد، وقال صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وابن ماجه (٦٤، ٤١)، والحاكم (٤/ ٣١٨) الرقاق، وقال صحيح ولم يخرجاه، وصححه الألبانى.
[ ٩٢ ]
قال سهل: " من طعن فى الحركة يعنى فى السعى والكسب فقد طعن فى السنة، من طعن فى التوكل فقد طعن فى الإيمان"، فالتوكل حال النبى - ﷺ - والكسبُ سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سننه.
وقيل: " عدم الأخذ بالأسباب طعن فى التشريع، والاعتقاد فى الأسباب طعن فى التوحيد ".
والأعمال التى يعملها العبد ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الطاعات التى أمر الله بها عباده، وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله، مع التوكل على الله ﷿ فيه، والاستعانة به عليه، فإنه لاحول ولا قوة إلا به، وما شاء سبحانه كان ومالم يشأ لم يكن، فمن قصّر فى شىء مما وجب عليه من ذلك استحق العقوبة فى الدنيا والآخرة شرعًا وقدرًا.
قال يوسف بن أسباط: " قال اعملْ عملَ رجل لاينجيه إلا عَمَلُه، وتوكل توكل رجل لايصيبه إلا ما كُتب له ".
القسم الثانى: ما أجرى الله العادة به فى الدنيا وأمر عباده بتعاطيه كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والإستظلال من الحر، والتدفؤ من البرد، ونحو ذلك، فهذا أيضًا واجب على المرء تعاطى أسبابه ومن قصّر فيه حتى تضرر بتركه - مع القدرة على استعماله - فهو مفرط يستحق العقوبة.
القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به فى الدنيا فى الأعم الأغلب، وقد يخرق العادة فى ذلك لمن شاء من عباده وهى أنواع: كالأدوية مثلًا وقا اختلف العلماء: هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوى أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟
[ ٩٣ ]
فيه قولان مشهوران، وظاهر كلام الإمام أحمد أن التوكل لمن قوى عليه أفضل لما صح عن النبى - ﷺ - أنه قال " يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفًا بغير حساب ثم قال: هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " (١).
ومن رجح التداوى قال: إنه حال النبى - ﷺ - الذى كان يداوم عليه - وهو لايفعل إلا الأفضل - وحمل الحديث على الرقى المكروهة، التى يخشى منها الشرك، بدليل أنه قرنها بالكى والطيرة وكلاهما مكروه.
قال مجاهد، وعكرمة، والنَخعى، وغير واحد من السلف: لا يرخص فى تلك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكلية.
وسئل إسحق بن راهويه: هل للرجل أن يدخل المفازة بغير زاد؟ فقال: " إن كان الرجل مثل عبد الله بن جبير فله أن يدخل المفازة بغير زاد، وإلا لم يكن له ".
_________________
(١) رواه البخارى (١٠/ ١٥٥) الطب، (٣/ ٨٨) الإيمان، الترمذى (٩/ ٢٦٧) صفة القيامة وفيه زيادة: " مع كل ألف سبعون ألفًا وثلاث حثيات من حثياته"، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وحسن الألبانى هذه الزيادة.
[ ٩٤ ]