فقد قدم الأنبياء العظام ثناءَ حسناَ على الله تعالى قبل دعائهم، فمما علمناه قول الله تعالى قاصًّا دعاء إبراهيم ﵊:
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ الْحَمْدُ للَِّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ ليِ وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (١)﴾.
(١) سورة إبراهيم: آية ٣٨ - ٤١.وقال إبراهيم ﵊ أيضًا:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَّغْفِرَ لِي
_________________
(١) أخرجه الإمام البخاري: كتاب التفسير: سورة الإسراء: باب قوله تعالى ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
[ ٢٤ ]
خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآَخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٢)﴾.
(٢) سورة الشعراء: آية ٧٨ - ٨٧.وقال أيضًا ﵊:
﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾.
وقال تعالى قاصًّا دعاء شعيب ﵊ وتقديمه الثناء فيه:
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٢)﴾.
وقال تعالى قاصًّا دعاء يوسفَ ﵊:
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٣)﴾.
_________________
(١) سورة الممتحنة: آية ٤ - ٥.
(٢) سورة الأعراف: آية ٨٩.
(٣) سورة يوسف: آية ١٠١.
[ ٢٥ ]
ومما ورد في السنة المطهرة الشريفة من أساليب الدعاء الممزوج بالحمد والثناء والتسبيح قوله ﷺ:
«اللهم لك الحمد مِلْءَ السموات وملْءَ الأرض ومِلْءَ ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الوسخ» (١).
ـ وفي حديث جابر الطويل في صحيح مسلم في حج النبي - ﷺ - أن رسول الله بدأ بالصفا فرقى عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبّره، وقال:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا بين ذلك فقال ثلاث مرات.
ـ وعن عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - قُحُوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه.
قالت عائشة: فخرج رسول الله - ﷺ - حين بدا حاجبُ الشمس فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله ﷿، ثم قال:
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة: باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع.
[ ٢٦ ]
«إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله ﷿ أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله ألا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين، ثم رفع يديه » (١).
ـ وعن أنس بن مالك أن أم سليم رضي الله تعالى عنهما غدت على النبي - ﷺ - فقالت: علمني كلمات أقولهن في صلاتي: فقال:
«كبري الله عشرًا، وسبحي الله عشرًا، واحمديه عشرًا، ثم سلي ما شئت يقول: نعم، نعم» (٢).
ـ وعن سلمة بن الأكوع (٣) ﵁ قال: ما سمعت
_________________
(١) أخرجه الإمام أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب رفع اليدين في الاستسقاء، وقال الإمام أبو داود: هذا حديث غريب إسناده جيد، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. انظر «المستدرك»: ١/ ٤٧٦.
(٢) أخرجه الإمام الترمذي في سننه: كتاب الصلاة: باب ما جاء في صلاة التسبيح، وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. انظر «المستدرك»: ١/ ٤٦٢.
(٣) سلمة بن عمرو بن الأكواع الأسلمي، أبو مسلم وأبو إياس. شهد بيعة الرضوان. مات سنة ٧٤ ﵁: انظر «التقريب»: ٢٤٨.
[ ٢٧ ]
النبي - ﷺ - يستفتح دعاءً إلا استفتحه بسبحان ربي العلي الأعلى الوهّاب» (١).
ـ وهذا ابن مسعود ﵁ يقدم الثناء على الدعاء فيحمد له ذلك النبي - ﷺ -، فعن علي ﵁ قال:
كنت مع النبي - ﷺ - ومعه أبو بكر ﵁ ومن شاء الله من أصحابه، فمررنا بعبد الله بن مسعود وهو يصلي، فقال النبي - ﷺ -: «من هذا؟» فقيل: عبد الله بن مسعود.
فقال: «إن عبد الله يقرأ القرآن غَضًّا (٢) كما أنزل».
فأثنى عبد الله على ربه وحمده فأحسن حمده على ربه، ثم سأله فأجمل المسألة، وسأله إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفد، ومرافقة محمد - ﷺ - في أعلى عليين في جنانك جنان الخلد.
قال: وكان رسول الله - ﷺ - يقول: «سل تُعط، سل تُعط» مرتين، فانطلقت لأبشره، فوجدت أبا بكر قد سبقني، وكان سباقًا بالخير (٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في «المستدرك»: ١/ ٦٧٦، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(٢) غضًّا: أي حديثًا طرياَ. «ترتيب القاموس»: غ ض ض، والمراد كما أنزل.
(٣) أخرجه الحاكم في «المستدرك»: ٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩، وقال: صحيح، ووافقه الذهبي.
[ ٢٨ ]