١ - قال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، ﵁: «كل شيء خاشع له، وكل شيء قائم به، غِنى كل فقير، وعزُّ كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف.
من تكلم سمع نطقه، ومن سكت علم سره، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه منقلبه.
لم تَركَ العيون فتخبر عنك بل كنت قبلَ الواصفين من خلقك.
لم تخلق الخلق لوَحْشة، ولا استعملتهم لمنفعة، ولا يسبقك مَن طلبتَ، ولا يُفلتك من أخذت، ولا ينقص سلطانَك من عصاك، ولا يزيد في ملكك من أطاعك، ولا يرد أمرَك من سَخِط قضاءك، ولا يستغني عنك من تولى عن أمرك.
[ ٥٩ ]
كل سر عندك علانية، وكل غيب عندك شهادة
سبحانك ما أعظم شأنك، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك، وما أصغر أي عظيمة في جنب قدرتك، وما أهولَ ما نرى من ملكوتك، وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من سلطانك، وما أسبغَ نعَمك في الدنيا وما أصغرها في نعم الآخرة» (١).
وقال - أيضًا ﵁:
«انقادت له الدنيا والآخرة بأزِمّتها، وقذفت إليه السموات والأرَضون مقاليدها، وسجدت له بالغدوّ والآصال الأشجار الناضرة وآتت أُكُلَها بكلماته الثمار اليانعة» (٢).
وقال - أيضًا ﵁:
«يا أرحم الراحمين، يا صاحبي عند شدتي، يا مؤنسي في وحدتي، يا حافظي في نعمتي، يا ولييّ في نفسي، يا كاشف كربتي، يا مستمعَ دعوتي، يا راحمَ عبرتي، يا مقيلَ عثرتي، يا إلهي بالتحقيق، يا ركني الوثيق يا مولاي الشفيق، يا رب البيت العتيق يا فارج الهم، وكاشفَ الغم، ويا منزل القطر،
_________________
(١) «شرح نهج البلاغة»: ٢/ ٧١٥. وقد تكلم عدد من العلماء في صحة نسبة المواعظ التي في «نهج البلاغة» إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي عنه، والله أعلم.
(٢) المصدر السابق: ٣/ ١٠٥.
[ ٦٠ ]
ويا مجيبَ دعوة المضطرين، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما يا كاشفَ كلِّ ضرٍ وبلية، ويا عالم كُلِّ خَفِيّة، يا أرحم الراحمين » (١).
وعنه - أيضًا ﵁ قال:
«أُتي بُختَ نَصَّر بدانيال النبي - ﷺ - فأمر به فحبس، وضَرَّى أسدين (٢) فألقاهما في جُبِّ (٣) معه، فطيّن عليه وعلى الأسدين خمسة أيام، ثم فتح عليه بعد خمسة أيام فوجد دانيال قائمًا يصلي، والأسدان في ناحية الجب لم يعرضا له.
قال بختُ نصَّر: أخبرني ماذا فعلت فدفع عنك؟
قال: قلت: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، الحمد لله الذي لا يخيب من دعاه، الحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره، الحمد الله الذي هو ثقتنا حين تنقطع عنا الحيل، الحمدلله الذي هو رجاؤنا حين تسوء ظنوننا بأعمالنا، والحمد لله الذي يكشف ضرَّنا عند كُرَبنا، الحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانًا، الحمدلله الذي يجزي بالصبر نجاة» (٤).
_________________
(١) «كنز العمال»: ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠ نقلًا عن كتاب «الفرج بعد الشدة» للتنوخي.
(٢) أي عوّدهما الصيد وعلقهما به، وأغراهما به. انظر «لسان العرب»: ض ر ا.
(٣) أي بئر.
(٤) قال الإمام السيوطي: أخرجه ابن أبي الدنيا في «الشكر» وسنده حسن. انظر «كنز العمال»: ٢/ ٦٥٥.
[ ٦١ ]