(اللهم:
ياذا الجلال والإكرام، يا عزيز لا تحيط بجلاله الأوهام، يا من لا غنى لشيء عنه، يا من لا بد لكل شيءٍ منه، يا من رزق كل شيء عليه، ومصير كل شيء إليه، يا من يعطي من لا يسأله، ويجود على من لا يؤمله، ها نحن عبيدك الخاضعون لهيبتك، المتذللون لعزك وعظمتك، الراجون جميلَ رحمتك، أمرتنا
_________________
(١) «قصائد ومقطعات»: ١٧٤ - ١٧٥.
(٢) عبد العزيز بن أحمد بن سعيد الدَميريّ الدِّيرينّي، الشيخ الزاهد، القدوة العارف، صاحب الأحوال والكرامات، والمصنفات والنظم الكثير، نظم عددًا من كتب الفقه والتفسير. كان متقشفًا مخشوشنًا، حسن الأخلاق، سليم الباطن. ولد سنة ٦١٢، وتوفي سنة ٦٩٤ وقيل سنة ٦٩٧ رحمه الله تعالى. انظر «طبقات الشافعية الكبرى»: ٨/ ١٩١ - ٢٠٨.
[ ١٤٥ ]
ففرطنا ولم تقطع عنا نعَمك، ونهيتنا فعصينا ولم تقطع عنا كرمك، وظلمنا أنفسنا مع فقرنا إليك فلم تقطع عنا غناك يا كريم ) (١).
وقال ﵀:
(الحمد لله الغفور الودود، الكريم المقصود، الملك المعبود، القديم الوجود، العميم الجود، لا يخفى عليه دبيب النملة السوداء في الليالي السود، ويسمع حِسّ الدود في خلال العود، ويرى جريان الماء في باطن الجلمود (٢)، وتردد الأنفاس في الهبوط والصعود، القادر؛ فما سواه فهو بقدرته موجود، وبمشيئته تصاريف الأقدار، وبقسمته الإدبار والسعود (٣) ، أباد بسطوته قوم نوح وأهلك عادًا وقوم هود، وسلط ضعيف البعوض بقدرته على نمرود ) (٤).
وقال ﵀:
(الحمد لله منشئ الموجودات، وباعث الأموات، وسامع الأصوات، ومجيب الدعوات، وكاشف الكربات.
_________________
(١) «طهارة القلوب»: ٢٨.
(٢) أي الصخر الأصم.
(٣) أي السعادة.
(٤) المصدر السابق: ١٠١.
[ ١٤٦ ]
عالم الأسرار، وغافر الإصرار، ومنجي الأبرار، ومهلك الفجّار
الأول الذي ليس له ابتداء، الآخر الذي ليس له انتهاء، الصمد الذي ليس له وزراء، الواحد الذي ليس له شركاء
العليم الخبير، القدير السميع البصير، المنفرد بالتدبير
سبحان مَن نوّر بمعرفته قلوب أحبابه، وطهر سرائرهم فتمتعوا بخطابه
يا خيبةَ من لم يؤيده الحكيم الحليم، يا حسرة من لم يقبله الملك العظيم، يا مصيبة مَن فاته هذا الجود العميم ..) (١).
وقال رحمه الله تعالى:
إليك وإلا لا تشد الركائبُ ومنك وإلا لا تُنال الرغائبُ
فيك وإلا فالرجاء مخيبٌ وعنك وإلا فالمحدث كاذبُ
لديك وإلا لا قرار يطيب لي عليك وإلا لا تسيل السواكب (٢)
وقال رحمه الله تعالى:
(إلهي:
_________________
(١) المصدر السابق: ١٩٧.
(٢) المصدر السابق: ٢٣٨.
[ ١٤٧ ]
كيف يحيط بك عقل أنت خلقته؟
أم كيف يدركك بصر أنت شققته؟
أم كيف يدنو منك فكر أنت وفقته؟
أم كيف يحصي الثناءَ عليك لسان أنت أنطقته؟
إلهي:
كيف يناجيك في الصلوات من يعصيك في الخلوات، لولا حلمك؟
أم كيف يدعوك في الحاجات من ينساك عند الشهوات لولا فضلك؟
اللهم:
يا حبيب كل غريب، ويا أنيس كل كئيب:
أي منقطع إليك لم تكفه بنعمتك؟
أم أي طالب لم تلقه برحمتك؟
أم أي هاجر هجر فيك الخلق فلم تصله؟
أم أي محب خلا بذكرك فلم تؤنسه؟
أم أي داع دعاك فلم تُجبه؟
[ ١٤٨ ]
إلهي:
كيف نتجاسر على السؤال مع الخطايا والزلات؟
أم كيف نستغني عن السؤال مع الفقر والفاقات؟
يا حبيب القلوب أين أحبابك؟ يا أنيس المنفردين أين طلابك؟
من الذي عاملك فلم يربح؟
من الذي التجأ إليك فلم يفرح؟
ومن وصل إلى بساط قربك واشتهى أن يبرح؟
لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا حول عن معصيتك إلا بمشيئتك، ولا ملجأ منك إلا إليك، ولا خير يُرجى إلا في يديك) (١).
وقال رحمه الله تعالى:
(إلهي:
لولا أنك بالفضل تجود ما كان عبدك إلى الذنب يعود.
ولولا محبتك للغفران ما أمهلت من يبارزك بالعصيان، وأسبلت سترك على من أسبل ذيل النسيان، وقابلت إساءتنا منك بالإحسان.
_________________
(١) «طهارة القلوب»: ٢٨٣.
[ ١٤٩ ]
إلهي:
ما أمرتنا بالاستغفار إلا وأنت تريد المغفرة، ولولا كرمك ما ألهمتنا المعذرة.
أنت المبتدئ بالنوال قبل السؤال، والمعطي من الإفضال فوق الآمال، إنا لا نرجو إلا غفرانك، ولا نطلب إلا إحسانك
إلهي:
أنت المحسن وأنا المسيء، ومن شأن المحسن إتمام إحسانه، ومن شأن المسيء الاعتراف بعدوانه.
يا من أمهل وما أهمل، وستر حتى كأنه قد غفر، أنت الغني وأنا الفقير، وأنت العزيز وأنا الحقير ) (١).
وقال رحمه الله تعالى:
(إلهي:
من أطمَعَنا في عفوك وجودك وكرمك، وألهمنا شكر نعمائك، وأتى بنا إلى بابك، ورغّبَنا فيما عددته لأحبابك، هل ذلك كله إلا منك؟ دللتنا عليك وجئت بنا إليك
_________________
(١) المصدر السابق: ٢٨٣ - ٢٨٤.
[ ١٥٠ ]
واخيبة مَن طردته عن بابك، واحسرةَ من أبعدته عن طريق أحبابك.
إلهي:
إن كانت رحمتك للمحسنين فإلى أين تذهب آمال المذنبين) (١).
وقال رحمه الله تعالى:
(إلهي:
أعطيتنا الإيمان قبل السؤال، وهو أفضل ما تعطيه من النوال، والكريم لا يرجع في هبته، والغني لا يعود في عطيته.
إلهي:
ببابك أنخنا، ولمعروفك تعرضنا، وبكرمك تعلقنا، وبتقصيرنا اعترفنا، وأنت أكرم مسؤؤل وأعظم مأمول.
ببابك ربي قد أنخت ركائبي وماليَ من أرجوه يا خير واهب
فإن جدت بالفضل الذي أنت أهله فيا نُجْحَ آمالي بنيل رغائبي
_________________
(١) المصدر السابق: ٢٨٤ - ٢٨٥.
[ ١٥١ ]
وإن أبعدَتْني عن حماك خطيئتي فيا خيبة المسعى وضيعة جانبي
اللهم:
ارحم عبادًا غرهم طول إمهالك، وأطمعهم دوام إفضالك، ومدوا أيديهم إلى كريم نوالك، وتيقنوا أن لا غنى لهم عن سؤالك) (١).
وقال رحمه الله تعالى:
(اللهم:
يا حبيب التائبين، ويا سرور العابدين، ويا قرةَ أعين العارفين، ويا أنيس المنفردين، ويا حرز اللاجئين، ويا ظهر المنقطعين، ويا من حَنّت إليه قلوب الصديقين، اجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين.
اللهم:
وإن كانت ذنوبنا فظيعة فإنا لم نرد بها القطيعة إلى من نلتجئ إن صرفتنا؟ إلى أين نذهب إن طردتنا؟ بمن نتوسل إن حجبتنا؟ من يُقبل علينا إن أعرضت عنا؟
_________________
(١) المصدر السابق: ٢٨٦.
[ ١٥٢ ]
إلهي:
كيف تردنا الذنوب عن سؤالك ونحن الفقراء إلى نوالك؟
ها نحن قد أنخنا ببابك، فتعطف علينا مع أحبابك.
إلهي:
أنت لنا كما تحب فاجعلنا لك كما تحب.
إلهي:
كل فرح بغيرك زائل، وكل شغل بسواك باطل، والسرور بك هو السرور، والسرور بغيرك هو الغرور.
اللهم:
إنك قبلت الوفاء من السحرة حين ذكروك مرة وسجدوا لك سجدة، وإنا لم نزل مقرين بربوبيتك، معترفين بوحدانيتك، ما سجدنا قط إلا بين يديك، ولا رفعنا حوائجنا إلا إليك ) (١).
وقال رحمه الله تعالى:
(إلهي:
إن كنا لا نقدر على التوبة فأنت تقدر على المغفرة.
_________________
(١) المصدر السابق: ٢٨٧ - ٢٨٨.
[ ١٥٣ ]
إلهي:
قد أطعناك في أكبر الطاعات: الإيمان بك، والافتقار إليك، وتركنا أكبر السيئات: الشرك بك، والافتراء عليك، فاغفر لنا ما بينهما ولا تخُجلنا بين يديك.
إلهي:
إن ذنوبنا صغيرة في جنب عفوك، وإن كانت كبيرة في جنب نهيك.
إلهي:
لو أردت إهانتنا لم تَهْدنا، ولو أردت فضيحتنا لم تسترنا، فتممِ اللهم ما به بدأتنا، ولا تسلبنا ما به أكرمتنا.
إلهي:
أتحرق وجهًا بالنار كان لك ساجدًا؟ ولسانًا كان لك ذاكرًا؟
وقلبًا كان بك عارفًا؟
إلهي:
أنت ملاذنا إن ضاقت الحيل، وملجؤنا إذا انقطع الأمل، بذكرك نتنعم ونفتخر، وإلى جودك نلتجئ ونفتقر، فبك فخرنا وإليك فقرنا:
[ ١٥٤ ]
بذكرك يا مولى الورى نتنعمُ وقد خاب قوم عن سبيلك قد عَمُوا
شهدنا يقينًا أن علمك واسع وأنت ترى ما في القلوب وتعلم
إلهي تحملنا ذنوبًا عظيمة أسأنا وقصرنا وجودك أعظم
سترنا معاصينا عن الخلق غفلة وأنت ترانا قم تعفو وترحم
وحَقَّك ما فينا مسيء يسره صدودك عنه بل يُذَلّ ويندم
سكتنا عن الشكوى حياء وهيبة وحاجتنا بالمقتضى تتكلم
إذا كان ذل العبد بالحال ناطقًا فهل يستطيع عنه ويكتم
إلهي فجد واصفح وأصلح قلوبنا فأنت الذي تولي الجميل وتكرم
[ ١٥٥ ]
ألست الذي قربت قومًا فوُفِّقوا ووفقتهم حتى أنابوا وأسلموا
وقلتَ استقيموا منةً وتكرمًا وأنت الذي قومتهم فتقوموا
لهم في الدجا أُنسٌ بذكرك دائمًا فهم في الليالي ساجدون وقُوّمُ
نظرتَ إليهم نظرة بتعطف فعاشوا بها والخلق سَكْرى ونُوّمُ
لك الحمد عاملنا بما أنت أهله وسامح وسلمنا فأنت المُسَلِّمُ
اللهم:
دلنا بك عليك، وارحم ذلنا بين يديك، واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا ولا تطرد بعيوبنا ) (١).