وهذا الباب ينقسم فيه الصبر إلى قسمين:
أحدهما - بحسب قوة الداعي إلى الفعل.
الثاني - بسهولته على العبد.
فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشق، وإن فقدا - معًا - يعني قوة الداعي وسهولته - سهل الصبر عنه، وإن وجد أحدهما وفقد الآخر سهل الصبر من وجه دون آخر، فمن لا داعي له إلى قتل النفس والسرقة وشرب الخمر وأكل الحشيشة وأنواع الفواحش، ولا هو سهل عليه، فصبره عنه من أيسر شيء وأسهله، ومن اشتد داعيه إلى ذلك، وسهل عليه فعله، فصبره عنه أشق شيء عليه، ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم، وصبر الشباب عن الفاحشة، وصبر الغني عن تناول اللذات والشهوات، منزلتهم عند الله منزلة عظيمة عالية منيعة، لا يصل إليها إلا من صبر مثل صبرهم، وكذلك من صبر على موت أولاده وأبويه وأقاربه وأصحابه ونحوهم، وهو مع ذلك صابر محتسب، يأمر أهله بالصبر، وينهاهم عن لطم الخدود وشق الجيوب، وعن كلام ما لا يجوز لهم شرعًا، هذا له من الثواب الجزيل، والأجر العظيم، ما لا يعلمه إلا الله، فالعبد، إذا ذاق لذة المعصية، ثم تاب وصبر عنها، كانت توبته توبة صادقة.
ولقد بلغني عمن أعرفه، أنه تاب عن الخمر، وحلف بالطلاق لا يشربه، ثم إنه خالع، وشرب.
ولقد رأيت جماعة منهم، ممن حلف بالطلاق الثلاث، لا يلعب بالشنطرنج وتاب منه، ومع ذلك يعلم أن أكثر العلماء قالوا بتحريمه، وإنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وأنه يحصل عليه من الحلف الكاذبه والفحش ما هو معروف مشهور،
[ ١٤٨ ]
ومع ذلك منهم من خالع ولعب، ومنهم من لعب ووقع عليه الطلاق الثلاث بعد التوبة والحلف.
فالصبر المستمر مع القدرة من غير خوف على جاهه أو ماله أو عرضه، صبر على المعاصي، ومواظيته على ما أمره الله تعالى به، صبر على الطاعات، فإذا فعل ذلك، ابتغاء وجه الله تعالى، ثوابه أن يوفى أجره بغير حساب.
«ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ، قال: عجب ربك من شاب ليست له صبوة» .
وفي الصحيح «من أبي هريرة، أن النبي ﷺ، قال: سبعة يظلهم الله في ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاه حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» .
ولذلك استحق هؤلاء السبعة أن يظلهم في ظله، لكمال صبرهم، ومشقته على نفوسهم، فصبر الملك على العدل مع قدرته على الظلم والانتقام من رعيته، وصبر الشاب على عبادة الله ومخالفة هواه، وصبر الرجل على ملازمة المسجد، وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن شماله مع قدرته على الرياء، وصبر المدعو إلى الفاحشة مع جمال الداعي، وصبرالمتحابين في الله في اجتماعهما وانفرادهما، وصبر الباكي من خشية الله على كتمان ذلك عن الناس، فهذه الأمور فيها مشقة على النفوس، فالصبر عليها، بتوفيق الله وفضله وإحسانه إلى عبده، صبر عظيم جميل.