واعلم أن من أطلق الله ألسنة الناس فيه بالخير، والثناء الحسن، والذكر الصالح، وغير ذلك من الأقوال الصالحة، غلب على الظن أنه من أهل الخير.
وغير مستنكر إذا أحب عبدًا أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء الحسن عليه، وفي قلوبهم المحبة له.
قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا﴾ .
«وثبت أن النبي ﷺ، قال: إن الله، إذا أحب عبدًا، دعا جبريل فقال: إن الله يحب فلانًا فأحبه.
قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» وذكر في البغضاء مثل ذلك.
رواه البخاري ومسلم.
وقد شاهدنا في عصرنا هذا، وبلغنا عن عصر غيرنا، أن أقوامًا من العلماء وأهل الحديث والتجار والسوقة، كثر الثناء عليهم، وصرفت قلوب الناس إليهم، وحصلت الحفلة العظيمة في جنائزهم من كثرة المشيعين لها، وحضرها الألوف من الناس، وربما كثر الخلق في تشييع هؤلاء من الجن والملائكة، وربما سمع ضجة عظيمة من جهة السماء في حال حضور الناس في الجنازة، ولقد أخبرني شيخنا العلامة شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد الخطيب المقدسي، بالجامع المظفري.
تغمده الله تعالى برحمته، قال لي: سمعت هذه الضجة من السماء مرارًا لبعض الأموات كهيئة البشائر، ثم قال: وحدثني بها جماعة من أصحابنا، أنهم سمعوا ذلك في بعض جنائز المتهمين بالصلاح، والله تعالى أعلم بذلك.
وذكر قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، ثنا محمد بن يزيد الرفاعي،
[ ١١٣ ]
قال: مات عمرو بن قيس الملائي، في ناحية فارس، فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى كثرة، فلما دفن نظروا فلم يروا أحدًا.
«وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا فقال رسول الله ﷺ: وجبت.
ومر بجنازة، فأثنوا عليها شرًا، فقال نبي الله ﷺ: وجبت.
فقال عمر ﵁: فداك أبي وأمي يا رسول الله، مر بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقلت: وجبت، ومر بجنازة أثنوا عليها شرًا فقلت: وجبت؟ ! فقال رسول الله ﷺ: من أثنيتم عليه خيرًا، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض
ثلاثًا» وفي لفظ وجبت وجبت ثلاثًا: رواه البخاري ومسلم.
«وفي رواية للبخاري، فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا: وجبت، ولهذا وجبت؟ قال: شهادة القوم المؤمنين شهداء الله في الأرض» .
ولما مات الإمام أحمد بن حنبل، قال الهيثم بن خلف: دفنا أحمد بن حنبل، يوم الجمعة، بعد العصر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وما رأيت جمعًا قط أكثر من ذلك.
وقال ابن أبي صالح القنطري: شهدت أربعين عالمًا، ما رأيت جمعًا قط مثل هذا، ثم قال عبد الوهاب الوراق: ما بلغنا أن جمعًا في جاهلية ولا إسلام مثل الجمع في جنازة أحمد، حتى بلغنا أن الموضع مسح وحزر على الصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألف، وأما النساء فهو من ستين ألف امرأة، وكلهم يشهدون له بالصلاح والولاية، ويرجون بالصلاة عليه البركة، ويثنون عليه بأنواع الخير، رحمة الله عليه.