الندب: اسم للبكاء على الميت وتعداد محاسنه، قاله الجوهري، والاسم الندبة بالضم، وقيل تعداد شمائل الميت، فيقال: واكريماه واجبلاه والهفاه.
والنوح: قال القاضي عياض: هو اجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، وذكر في المغني أنه تعداد محاسن الميت بلفظ النداء، إلا أنه يكون بلفظ الواو، وربما زيد فيه الألف والهاء مثل قولهم: وا رجلاه وا جبلاه وا انقطاع ظهراه، ونحوه.
وقال غيره: قال أهل اللغة: النياحة: اسم لاجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، كما ذكر القاضي عياض، والتناوح: التقابل.
ثم استعمل في صفة بكائهن
بصوت ورنة وندبة.
واعلم - رحمك الله - أن المطلوب في المصيبة السكون والصبر، والرضا بقضاء الله تعالى، والحمد والاسترجاع، والصدقة عن المصاب به والدعاء له، وأما الندب والنياحة، وشق الجيوب، ولطم الخدود، وقول المنكر، كل هذا ينافي ما ذكر.
وقد نص الإمام أحمد ﵀ على تحريم الندب والنياحة، قال في رواية حنبل: النياحة معصية.
وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: النوح حرام.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن النياحة لاتجوز للرجال ولا للنساء.
وقال أبو الخطاب ﵀ في الهداية: ويكره الندب والنياحة، وخمش الوجوه، وشق الجيوب، والتحفي.
وهذا قول ضعيف مصادم لما ورد من السنة.
[ ٤٧ ]
وذكر الشيخ في المغني قال: حرب عن أحمد كلامًا فيه احتمال إباحة النوح والندب، قال: واختاره الخلال وصاحبه، لأن واثلة بن الأسقع، وأبا وائل كانا يسمعان النوح ويبكيان، ثم قال: وظاهر الأخبار تدل على التحريم.
انتهى كلامه.
واستنادهم في ذلك لآثار مروية عن بعض الصحابة والسلف، لا ترد ما ورد في الصحيح والمسانيد.
فإنهم قالوا: قد روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل: إنما كانا يسمعان النوح ويبكيان.
قالوا: وقد ورد في الصحيح من «حديث أم عطية، قالت: لما أنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين﴾ إلى قوله: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ كان منه النياحة، فنهانا عن النياحة فقبضت امراة منا يدها فقالت: فلانة أسعدتني فإنما أريد أن أجزيها، قال: فما قال لها شيئًا فذهبت فانطلقت، ثم رجعت فبايعها» .
وفي لفظ الصحيح «قالت أم عطية: يا رسول الله إلا آل فلان، فإنهم أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي أن أسعدهم فقال: إلا آل فلان» .
والجواب عن ذلك: أن المرأة التي سكت عنها ذلك خاص بها لوجهين:
أحدهما: أنها حديثة عهد بالإسلام، فربما كان فيه تنفير لها عنه.
الثاني: أنه قال لغيرها لما سألته ذلك، قال: «لا إسعاد في الإسلام» .
فإطلاقه لها، وحجره على غيرها، يدل على الخصوص.
وعلى الرواية الأولى: أن امرأة قبضت يدها، ولم تبايع إلا بعد الإسعاد، فلا إشكال، وقد حكى بعض المبايعات القصة ولم تستثن أحدًا، فما ورد في سنن أبي داود من حديث أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلًا ولا نشق جيبًا، ولا ننبش شعرًا.
[ ٤٨ ]