قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ وقد ذكر البغوي في تفسيره بإسناده، «عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: أن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ النبي ﵌: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾» .
ففي هذه الآية والحديث، دليل على تطييب خاطر الوالدين على أطفالهم، وهذا الذي ينبغي، أن يطيبوا أنفسهم، ويقروا أعينهم، فإنهم، وإن كانوا كبارًا، فهم من أهل التوحيد والإسلام، وإن كانوا صغارًا، فهم ممن: ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، لأنهم ماتوا على الفطرة السليمة، وهم من السعداء الذين يدخلون الجنة بلا عمل عملوه، ولا خير قدموه، بل رحمة الله ومنته عليهم، ولهذا يكونون في برزخهم في كفالة أبيهم إبراهيم الخليل ﵇، إمام الحنفاء - كما في دعاء الميت إذا كان صغيرًا: واجعله في كفالة إبراهيم.
وكما ثبت في صحيح البخاري «من حديث سمرة بن جندب - وقد تقدم - عن النبي ﷺ في حديث المنام قال فيه: فأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله، فكل مولود يولد على الفطرة، فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال وأولاد المشركين»، و«في رواية للبخاري أيضًا والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇ والصبيان حوله أولاد الناس» .
«وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال
[ ٩٧ ]
رسول الله ﷺ: ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جزع؟ !، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾» الحديث: رواه البخاري ومسلم، ولفظه للبخاري.
وقال أبو بكر القطيعي: «حدثنا بشر بن موسى، ثنا ابن خليفة، ثنا عون عن خنساء، قالت حدثتني عمتي، قالت: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة» .
وكذلك رواه بندار، عن غندر، عن عوف، فذكر مثله
وقال الفراء في كتاب معاني القرآن: عند قوله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين﴾، قال علي ﵁: هم الولدان.
قال الفراء: وهو شبيه بالصواب، لأن الولدان لم يكتسبوا ما يرتهنون به.
وفي قوله تعالى: ﴿يتساءلون * عن المجرمين﴾ ما يقوي أنهم الولدان، لأنهم لم يعرفوا الذنوب، فلهذا يقولون: ﴿ما سلككم في سقر﴾
ولكن روى العقيلي بإسناده عن علي ﵁ في قوله تعالى ﴿إلا أصحاب اليمين﴾ قال هم أطفال المسلمين، فظاهر هذه الرواية التخصيص بهذه الأمة، والرواية الأولى عامة في كل مولود.
وقال البغوي في تفسيره ﴿إلا أصحاب اليمين﴾: اختلفوا فيهم، فعن علي أنهم أطفال المسلمين، وهذا يوافق ما رواه العقيلي عنه، ولم يحك عنه خلافه، ثم قال: وعن ابن عباس ﵄ أنهم الملائكة.
وقال مقاتل: هم الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق.
وعنه أيضًا: هم الذين
[ ٩٨ ]
أعطوا كتبهم بأيمانهم.
وعنه أيضًا: هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم.
وقال الحسن: هم المسلمون المخلصون.
وحكى القرطبي في تفسيره في هذه الآية الكريمة، أقوالًا كثيرة، ولم يذكر أنهم لا أطفال المسلمين ولا المشركين، إلا أنه ذكر في آخر كلامه عن الفراء أنه قال: هم الولدان، لأنهم لا يعرفون الذنوب.
وقد حكيت قول الفراء قريبًا، وأنه أسنده إلى علي ﵁ لكن حكى القرطبي في غير هذا الموضع: أن الأطفال إن ماتوا صغارًا فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال، لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر أقروا له بالربوبية، وهو قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ .
ثم أعادهم في صلب آدم، بعد أن أقروا له بالربوبية، ثم يكتب العبد في بطن أمه، شقيًا أو سعيدًا، على الكتاب الأول.