«عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لا عقر في الإسلام» رواه الإمام أحمد في حديث طويل هذا منه.
وأبو داود، وروى الترمذي نحوه.
وقال حديث حسن صحيح غريب ورواه ابن حبان البستي، وفي رواية عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شيئًا.
أما العقر عند القبور: هو الذبح عندها.
وهذا الفعل عندها فإنه من فعل الجاهلية، وهو فعل محرم على هذه الأمة.
«وقوله ﵊: لا عقر في الإسلام» .
قال الخطابي: هو ما كان عليه أهل الجاهلية، من عقر الإبل على قبور الموتى، كانوا إذا مات الشريف الجواد، عقروا عند قبره، وكانوا يقولون: إن صاحب القبر كان يعقرها للأضياف، يقريهم أيام حياته، فيكافأ عليه بمثل صنيعه.
انتهى كلامه.
وقال قوم: كانوا يعقرون الإبل عند القبور، لتطعمها السباع والطير عند قبر الميت، فيدعى مطعمًا حيًا وميتًا.
وقيل بل كان مذهبهم أن صدى الميت يصيب من ذلك الطعام، فجاء الإسلام فمحا ذلك كله.
وأما هذه البدعة الخبيثة، فهي موجود قريب منها في غالب قرى البر، وهو أن الشخص الذي توفي في بلده، فإن أهل القرى التي حوله يأتون لأجل العزاء، فيذبحون لهم من مال الميت المنتقل إلى ورثته، من أيتام وصغار وغيرهما، بل قد يذبحون البقرة أو نحوها من بهيمة الأنعام، لا يكون للأيتام غيرها، على ماشاهدته وبلغني، فنسأل الله أن يقيض لهذه البدعة من ولاة أمور المسلمين من يبطلها.
«حدثنا ابن هاشم، ثنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس
[ ١١١ ]
﵁ أن النبي ﷺ قال: لا إسعاد ولا عقر في الإسلام»، قد تقدم الكلام على العقر في الإسلام وقوله: لا إسعاد: فهو من إسعاد النساء في المناحات، وهوأن تقوم المرأة في المأتم وتقوم معها أخرى، فيقال قد أسعدتها وهو مسعد.
و«يروى في حديث آخر أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن فلانة أسعدتني أفأسعدها؟ فقال: لا ونهى عن النياحة بالإسعاد» .
وقال: إنها مأخوذة من وضع الرجل يده على ساعد صاحبه إذا تماشيا في حاجة.
وأما صنع أهل الميت طعامًا للناس فمكروه، لأن فيه زيادة على مصيبتهم، وشغلًا لهم إلى شغلهم، وتشبيهًا بصنع أهل الجاهلية، فإنهم يتكلفون طبخ الطعام، كما يفعله أهل البر في زماننا وقد تقدم.
فهذا من النياحة التي نهى عنها رسول الله ﷺ، لما ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه، من النياحة.
رواه ابن ماجة، ورواه سعيد بن منصور في سننه ولفظه: أن جريرًا وفد على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هل يناح على ميتكم؟ قال: لا، قال: فهل تتجمعون عند أهل الميت وتجعلون الطعام؟ قال: نعم.
قال: ذاك النوح.
وقال الشيخ موفق الدين ﵀ في المغني: وإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز، فإنهم ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة ويبيت عندهم، فلا يمكنهم إلا أن يضيفوه.
انتهى كلامه.
قلت: وإذا دعت الحاجة إلى صنع الطعام من أهل الميت، لمن يفد من القرى ونحوها، إنما ذاك بشرط أن لا يكون من مال الأيتام، خصوصًا إذا لم يكن لليتيم سوى ذاك الحيوان.
فأما وفود أهل البادية على أهل الميت في قريتهم، فالضيافة على أهل القرية، إما واجبة أو مستحبة، وليست على أيتام الميت، والله تعالى أعلم.
[ ١١٢ ]