البكاء أصله بكي على فعول، قال الجوهري: البكاء يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإن قصرت أردت الدموع وخروجها، وبكيت الرجل وبكيته إذا بكيت عليه.
قال الشاعر:
بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل
هذا من جهة اللغة، وهو رقة ورحمة في قلوب عباد الله، فالبكاء على الميت في مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة: جوازه قبل الميت وبعده، واختاره أبو اسحق الشيرازي، وكرهه الشافعي وكثير من أصحابه بعد الموت، ورخصوا فيه قبل خروج الروح.
واحتجوا بحديث «جابر عن عتيك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غلب، فصاح به رسول الله ﷺ، فلم يجبه، فاسترجع، وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال: رسول الله ﷺ: دعهن، فإذا وجب، فلا تبكين باكية، قالوا: وما الواجب يا رسول الله؟ قال: الموت» .
رواه الإمام أحمد وأبو داود، وهذا لفظه، والنسائي وابن ماجة.
قالوا: وفي الصحيحين «من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» وهذا إنما هو بعد الموت، وأما قبله فلا يسمى ميتًا.
«وعن ابن عمر أيضًا، أن رسول الله ﷺ لما قدم من أحد، سمع نساءً من بني عبد الأشهل، على هلكاهن يبكين، فقال رسول الله ﷺ: لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار، فبكين على حمزة عنده، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال:
[ ٣٧ ]
ويحهن إنهن ههنا يبكين؟ ما أثقلهن! مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم» رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
وهذا صريح في نسخ الإباحة المتقدمة، والفرق بين ما قبل الموت وبعده، أنه قبل الموت يرجى فيكون البكاء عليه حذرًا، فإذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء، فلا ينفع البكاء.
احتج أصحابنا ومن قال بقولهم، ممن جوز البكاء قبل الموت وبعده، قال «جابر بن عبد الله: أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، فجعلوا ينهوني، ورسول الله ﷺ لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي ﷺ: تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه»، متفق عليه.
«وعن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عباده شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه، فوجده في غاشية، فقال: قد قضى؟ قالوا لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله بكوا، فقال: ألا تسمعون، أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم» رواه البخاري، وهذا لفظه، «ومسلم وعنده: وجده في غشية فقال: أقد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله..
» الحديث، وهو من رواية يونس بن عبد الأعلى.
«وعن أسامة بن زيد، قال: كنا عند النبي ﷺ، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن صبيًا أو ابنًا لها في الموت، فقال الرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ﷿ ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها لتصبر ولتحتسب، فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها.
قال: فقام النبي ﷺ، وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت،
[ ٣٨ ]
وانطلقت معهم، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع، كأنها في شنة، ففاضت عيناه، فقال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» رواه البخاري ومسلم.
«وعن أنس بن مالك ﵁ قال: شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عيناه تدمعان، قال: فقال: هل منكم من رجل لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل في قبرها» رواه البخاري.
«وعن أنس أيضًا قال: قال: رسول الله ﷺ: ولد لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم فذكر الحديث، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، وفي لفظ: فأخذه فوضعه في حجره، وقال: يا بني، لا أملك لك من الله شيئًا، فقال عبد الله بن عوف وأنس: يا رسول الله أتبكي وتنهى عن البكاء؟ فقال: يا بن عوف، إنها رحمة ومن لا يرحم لا يرحم، ثم أتبعها بأخرى فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» رواه البخاري ومسلم بدون زيادة الألفاظ، وفيه دليل على البكاء قبل الموت.
«وعن أنس أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له» رواه البخاري.
و«عن ابن عباس ﵄، قال: ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله ﷺ بيده وقال: مهلًا يا عمر، ثم إياكن ونعيق الشيطان.
ثم قال: إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ﷿ ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن
[ ٣٩ ]
الشيطان» رواه الإمام أحمد.
وعن عائشة ﵂ أن سعد بن معاذ، لما مات، حضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ قالت: فو الذي نفسي بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي.
رواه الإمام أحمد.
و«عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال النبي ﷺ دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب» رواه ابن ماجه.
و«عن أسماء بنت يزيد، قالت: لما توفي ابن رسول الله ﷺ إبراهيم بكي رسول الله ﷺ، فقال: - إما أبو بكر وإما عمر ـ: أنت أحق من عظم لله حقه! فقال رسول الله ﷺ: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد صادق، وموعد جامع، وأن الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل ما وجدنا، وإنا بك لمحزنون» رواه ابن ماجه.
وفي لفظ: «أتبكي، أو ما نهيتنا عن البكاء؟ قال: ليس عن البكاء نهيت ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ورنة شيطان، وصوت عند مصيبة، لطم وجوه وشق جيوب ورنة شيطان، وهذه رحمة، ومن لايرحم، يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صادق، وسبيل لابد نأتيه، وأن آخرنا سوف يلحق بأولنا، لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون» .
وقال الإمام أحمد: «حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، ﵄ قال: ماتت زينب ابنة رسول الله ﷺ، فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، ثم قال: مهلًا يا عمر ثم قال: ابكين، وإياكن ونعيق الشيطان، ثم إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ﷿»، وذكر تمام الحديث وقد تقدم.
وروى الإمام أحمد أيضًا بسنده، «عن ابن عباس ﵄ قال: ماتت رقية بنت رسول الله ﷺ فقال: الحقي سلفنا الخير عثمان بن مظعون وبكت
[ ٤٠ ]
النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال النبي ﷺ لعمر: دعهن يبكين، وإياكن ونعيق الشيطان، ثم قال رسول الله ﷺ: مهما يكن من القلب والعين، فمن الله والرحمة، ومهما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان وقعد رسول الله ﷺ على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي، فجعل النبي ﷺ يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها» .
فقد ثبت في حديث موت زينب ورقية بنتي رسول الله ﷺ البكاء بعد الموت.
وقد جاء في آثار جمة «أنه ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله» .
وصح «عنه ﷺ أنه قبل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه» .
وتقدم قصة جعفر وعبد الله بن رواحة وأصحابهما.
وكذلك صح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قبل النبي ﷺ وهو ميت، وبكى وأبكى.
وكذلك بكى علي على النبي ﷺ.
فهذه الأحاديث كلها دالة على جواز البكاء قبل الموت وبعده من غير كراهة، وما ذكره أصحاب الشافعي ومن قال بقولهم من الكراهة بعد الموت مستدلين بما تقدم من أحاديث النهي، فكلها محمولة على البكاء الذي معه ندب ونياحة.
ويؤيد ذلك ما يأتي ذكره: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»، وفي لفظه: «يعذب بما نيح عليه» .
وأما من ادعى النسخ في حديث حمزة فلا يصح، لأن معناه لا تبكين على هالك بعد اليوم من قتلى أحد.
ويدل على ذلك أن نصوص الإباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد، منها حديث أبي هريرة، لأن إسلامه وصحبته كانا في السنة السابعة، ومنها البكاء على جعفر وأصحابه، وكان استشهادهم في السنة الثامنة، وكذلك البكاء على زينب بنت رسول الله ﷺ، كان في الثامنة أيضًا، والبكاء على قبر أمه ﷺ كان عام الفتح.
وأما قولهم: إنما جاز قبل الموت حذرًا بخلاف ما بعد الموت.
جوابه: أن كان الباكي، قبل الموت، يبكي حزنًا، وحزنه بعد الموت أشد، لأنه قبل الموت ربما يرتجى، وبعده فقد فقدت الرجوى، فبكى لفراق لا عودة بعده في
[ ٤١ ]
الدنيا، وهذا معنى قوله ﷺ: «أن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول ما يسخط الرب» ومنها: قال البخاري: قال عمر: دعهن يبكين على أبي سلمان ما لم يكن نقع أو لقلقة.
والنقع: التراب على الرأس.
واللقلقة: الصوت.
«حدثنا إسحاق بن منصور، عن أبي رجاء عبد الله بن واقد، عن محمد بن مالك، عن البراء بن عازب، قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فلما انتهينا إلى القبر، فاستدرت، فاستقبلته، فإذا هو يبكي حتى بل الثرى، ثم قال: إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا» رواه الإمام أحمد.