قال البخاري: باب فضل من مات له ولد فاحتسب، وقوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾ .
«حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مسلم من الناس يتوفى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» ورواه مسلم من وجه آخر عن أنس.
قوله: «لم يبلغوا الحنث» أي لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الحنث.
وروى البخاري من حديث «سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار، إلا تحلة القسم» ورواه مسلم من هذه الطريق أيضًا.
قال العلماء: تحلة القسم ما ينحل به القسم وهو اليمين.
وجاء مفسرًا في الحديث أن المراد به قوله تعالى ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ .
وبهذا قال أبو عبيد وجمهور من العلماء.
والقسم مقدر أي: والله إن منكم إلا واردها.
وقيل: المراد قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾ .
وقال ابن قتيبة: معناه تقليل مدة ورودها، قال: وتحلة القسم في هذا في كلام العرب، وقيل تقديره: ولا تحلة القسم، أي لا تحلة أصلًا، ولا قدرًا
[ ٦٢ ]
يسيرًا تحلة القسم.
والمراد بقوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾: المرور على الصراط، وهوعلى جهنم.
وقيل الوقوف عندها، أعاذنا الله وإياكم منها.
وروى مسلم أيضًا هذا الحديث، معنى تحلة القسم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد وزهير بن حرب، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة به.
ورواه أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به.
ورواه أيضًا «حدثنا يحيى بن يحيى، قرأت على مالك، عن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه النار، إلا تحلة القسم» .
ورواه الترمذي من حديث مالك به، وقال: حسن صحيح.
قال الترمذي: وفي الباب: عن معاذ وعمر وكعب بن مالك وعتبة بن عبيد وأم سليم وعائشة وأنس وأبي ذر وابن مسعود وأبي ثعلبة الأشجعي وابن عباس وعتبة بن عامر وأبي سعد وقرة بن إياس.
وقال الإمام أحمد: «حدثنا إسحاق، أخبرنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهم الله الجنة وآباءهم، بفضل رحمته.
قال: يقال لهم ادخلوا الجنة.
قال: يقولون حتى يجيء أبوانا.
قال: ثلاث مرات، فيقولون مثل ذلك.
قال: فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم» .
وروى البخاري من «حديث ذكوان، عن أبي سعيد، أن النساء قلن للنبي ﷺ: اجعل لنا منك يومًا، فوعظهن، وقال: أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كن لها حجابًا من النار، قالت امرأة: واثنان.
قال: واثنان» .
وقال شريك «عن ابن الأصبهاني: ثنا أبو صالح، عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال أبو هريرة: لم يبلغوا الحنث» .
وقد روى الحديث محمد بن سيرين وأبو رزين وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
وأخرج مسلم «حديث أبي سعيد من حديث شعبة به، وعنده: فقالت امرأة:
[ ٦٣ ]
واثنين واثنين واثنين يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: واثنين واثنين واثنين»، وهذا الذي علقه البخاري، عن شريك، عن ابن الأصبهاني، قد رواه هو ومسلم من «حديث غندر، عن شعبة، عن ابن الأصبهاني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وقال فيه: لم يبلغوا الحنث» .
وقال عثمان بن إبراهيم المؤذن: «حدثنا عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مسلمين، يموت لهما ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهم الله وأبويهم الجنة، قال: يكونون على باب من أبواب الجنة، فيقال: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم» ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق عن عوف الأعرابي.
وروى مسلم في صحيحه «عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسبه، إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: أو اثنين» .
وروى الإمام أحمد في مسنده «عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب النساء فقال: ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة إلا أدخلها الله الجنة فقالت أجلهن امراة: يا رسول الله وصاحبة الاثنين؟ فقال: وصاحبة الاثنين في الجنة» .
وروى أحمد أيضًا، «من حديث أم سليم بنت ملحان، وهي أم أنس بن مالك، قالت: قال رسول الله: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد، لم يبلغوا الحنث، إلا أدخلهم الله الجنة، بفضل رحمته، قالها ثلاثًا: قلت: يا رسول الله واثنان؟ قال: واثنان» .
وروى المثنى «عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أم مبشر، أن رسول الله ﷺ قال: من هلك له ثلاثة من الولد، فصبر واحتسب، أدخل الجنة، فقلت: يا رسول الله، واثنان؟ ! قال: واثنان» .
وروى مسلم في صحيحه، «من حديث طلق بن معاوية، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتت امرأة بصبي لها، فقالت: يا نبي الله، ادع الله، فلقد دفنت ثلاثة، فقال دفنت ثلاثة؟ قالت نعم، قال: لقد احتظرت بحظار شديد
[ ٦٤ ]
من النار» .
وقال البخاري في تاريخه قال علي بن هاشم: «حدثني نصر بن عمر ابن يزيد بن قبيصة، قال: حدثني أبي عن قبيصة بن برمة، قال: كنت عند النبي ﷺ جالسًا، إذ أتته امراة، فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي، فإنه ليس يعيش لي ولد.
قال: وكم مات لك؟ قالت ثلاثة.
قال: لقد احتظرت من النار بحظار شديد» .
وقال سعيد بن منصور: «حدثنا عبيد بن زياد، ثنا أبي، عن زهير ابن أبي علقمة، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ في ابن لها مات، وكان القوم عنفوها، فقالت: يا رسول الله، قد مات لي ابنان، منذ دخلت في الإسلام، سوى هذا.
قال: لقد احتظرت من النار حظارًا شديدًا» .
قال جماعة من الحفاظ: إسناد صحيح، لكن لا صحبة لزهير هذا، فيكون مرسلًا.
«أما قوله ﷺ: لقد احتظرت بحظار شديد من النار»، أي امتنعت بمانع وثيق، وأصل الحظر: المنع، وأصل الحظار، بكسر الحاء وفتحها: ما يجعل حول البستان وغيره من القبضان وغيرها كالحائط.
وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة.
وقد نقل جماعة من العلماء إجماع المسلمين على ذلك.
قال الماوردي: أما أولاد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فالإجماع محقق في الأطفال على أنهم بالجنة.
وأما أطفال من سواهم من المسلمين فجماهير العلماء على القطع لهم بالجنة.
قالوا: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ وتوقف بعض المتكلمين منهم وأشار أنه لا يقطع لهم كالمكلفين، وهو خطأ.
ولكنهم مستندون إلى «حديث عائشة ﵂ في الصحيح: توفي صبي من الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه.
فقال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» .
وفي
[ ٦٥ ]
الحديث الآخر: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم القيامة كافرًا» أجاب العلماء عن ذلك بأن النبي ﷺ: إنما نهى عائشة عن المسارعة إلى القطع، من غير أن يكون عندها دليل قاطع، كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله: أعطه إني لأراه مؤمنًا، قال: أو مسلمًا.
قال النووي: ﵀ في شرح مسلم: فيحتمل أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، فلما علم قال ذلك في قوله ﷺ: «مامن مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» وغير ذلك.
انتهى كلامه.
وقد تقدم عدة من الأحاديث تدل على ذلك كما سيأتي ما هو أتم من ذلك وأبين.
وما ورد من الأحاديث في الثلاثة من الولد ثم سئل عن الاثنين فقال: واثنين، فمحمول على أنه أوحي إليه عند سؤال الاثنين، وكذلك عند سؤال الواحد في بعض الألفاظ، والله تعالى أعلم.
وروى الإمام أحمد بإسناده، «عن شرحبيل بن شفعة، قال: سمعت عتبة بن عبد السلمي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء دخل» رواه ابن ماجة، من حديث جرير بن عثمان الحمصي به.
وروى أحمد، «من حديث المغيرة، ثنا جرير، ثنا شرحبيل بن شفعة، عن بعض الصحابة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: يقال للولدان يوم القيامة ادخلوا الجنة، فيقولون: ربنا حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيقول الله تعالى: ما لي أراغكم محبنطين ادخلوا الجنة أنتم وآبائكم» .
وروى الإمام أحمد أيضًا، «عن يزيد بن هارون، عن هشام، عن ابن سيرين: بينا امرأة كانت تأتينا، يقال لها مارية، كانت ترزأ في ولدها، فلقيت عبد الله بن معمر القرشي، ومعه رجل من أصحاب النبي ﷺ، فحدث ذلك الرجل أن امراة أتت النبي ﷺ فقالت: ادع الله أن يبقيه لي، فقد مات لي قبله ثلاثة فقال: مذ أسلمت؟ قالت: نعم، فقال: جنة حصينة» .
وروى أيضًا، منفردًا به، لكنه من
[ ٦٦ ]
«حديث ابن لهيعة، عن أبي عشانة، أنه سمع عقبة بن عامر، يقول عن رسول الله ﷺ، أنه قال: من أثكل ثلاثة من صلبه، فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة» .
وروى أيضًا في مسنده، «من حديث صعصعة بن معاوية، قال: أتينا أبا ذر، قلت: مالك؟ قال لي عملي، قلت: حدثني، قال: نعم! قال رسول الله ﷺ: ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من أولادهما، لم يبلغوا الحنث إلا غفر لهما» .
ورواه النسائي، عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر ابن المفضل، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن صعصعة.
وثم طريق أخرى «عن أبي ذر حدثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا قرة، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، قال: لقيت أبا ذر بالربذة، فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله، ابتدره حجبة الجنة، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد، لم يبلغوا حنثًا، إلا أدخلهم الله الجنة، بفضل رحمته إياهم» .