قال الله تعالى: ﴿وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ .
وقال تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ .
وقال تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ .
وهذا باب متسع جدًا في الآيات والأحاديث، وإنما نذكر منه، ما يوقظ الساهي، وينبه الغافل.
وقد تقدم حديث أم سلمة من غير وجه، من رواية الإمام أحمد، ومسلم وغيرهما.
«وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك» الحديث.
رواه مسلم.
ورواه أبو داود، من طريق أخرى، بلفظ غريب: «أن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا أصابت أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك احتسبت مصيبتي، فأجرني بها، وأبدلني خيرًا منها، فلما احتضر أبو سلمة قال: اللهم أخلفني في أهلي خيرًا مني، فلما قبض، قالت أم سلمة: إنا لله
[ ١٣٥ ]
وإنا إليه راجعون، عند الله احتسبت مصيبتي فأجرني فيها» .
فانظر رحمك الله إلى ما آلت إليه، حين احتسبت وصبرت، ورضيت وركنت، واتبعت السنة، وقد تقدم نحو ذلك.
«وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفذ ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر» .
رواه البخاري ومسلم.
«وعن صهيب بن سنان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له» .
رواه مسلم.
«وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ﷿، قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر، عوضته منهما الجنة» - يريد عينيه - رواه البخاري.
«وعن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس ﵄ ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله تعالى لي فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك.
فقالت أصبر، ثم قالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها» .
رواه البخاري ومسلم.
«وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ، قال: ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» .
رواه البخاري ومسلم.
الهم: على المستقبل، والحزن: على الماضي، والنصب: التعب، والوصب: المرض.
[ ١٣٦ ]
«وروي في حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي ﷺ، قال: لا يصيب العبد نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر قال: وقرأ ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾» .
وروي «من حديث عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ، قال: المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» .
«وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من يرد الله به خيرًا يصب منه» رواه البخاري.
قوله يصب بفتح الصاد وكسرها.
وفي الصحيح «أن رسول الله ﷺ قسم مالًا، فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ، فقال: رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
وقال عبد الرزاق: حدثنا الثوري، عن سفيان العصفري، عن سعيد بن جبير، أنه قال: في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ .
قال: لم يعط أحد غير هذه الأمة الصبر، ألا تسمعون إلى قول يعقوب ﵇: ﴿يا أسفى على يوسف﴾ .
وروى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه أن ابن عباس ﵄ نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق فأناخ، ثم صلى ركعتين، فأطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ .
[ ١٣٧ ]
وقال هشيم: حدثنا خالد بن صفوان، قال: حدثني زيد بن علي، أن ابن عباس كان في مسير له، فنعي إليه ابن له، فنزل فصلى ركعتين، ثم استرجع، وقال: فعلنا كما أمرنا الله: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ .
وقال أبو الفرج بن الجوزي: روي عن أم كلثوم - وكانت من المهاجرات أنه لما غشي على زوجها عبد الرحمن بن عوف ﵁ خرجت إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة.
وحكى سعيد بن منصور، عن الحجاج، عن ابن جريج ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ قال: إنهما معونتان على رحمة الله.
«وعن - ابن مسعود ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فقلت يا رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا، قال: أجل إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم، قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: أجل، ذلك كذلك، مامن مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقه، إلا كفر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها» .
رواه البخاري ومسلم.
والوعك: مغث الحمى، وقيل: الحمى.
«وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسد بردة له، في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم، يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» .
رواه البخاري.
«وفي الترمذي أن رسول الله ﷺ، قال: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمنرضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» قال الترمذي: حديث حسن.
«وعن أنس ﵁ قال: كان ابن لأبي طلحة ﵁ يشتكي،
[ ١٣٨ ]
فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم - وهي أم الصبي ـ: هو أسكن ما كان، فقدمت له العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ منها قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: أعرستم الليلة؟ قال: نعم! قال: اللهم بارك لهما، فولدت غلامًا، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي ﷺ وبعث معه تمرات، فقال: أمعه شيء؟ قال: نعم، تمرات، فأخذها النبي ﷺ، فمضغها ثم أخذها من فيه، فجعلها في في الصبي، وحنكه، وسماه عبد الله» .
رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية البخاري: قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن - يعني من أولاد عبد الله ـ.
«وفي رواية لمسلم: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا فقالت احتسب ابنك، فغضب ثم قال: تركتيني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتيني؟ ! فانطلق، حتى أتى رسول الله ﷺ، فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ: بارك الله في ليلتكما قال: فحملت..
» وذكر تمام الحديث وقد تقدم.
«وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: مايزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله تعالى، وما عليه خطيئة» .
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
«وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: تنصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصلاة، فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام، فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة، فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج، فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًا بغير حساب، ثم قرأ
[ ١٣٩ ]
﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ .
حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا، أن أجسادهم تقرض بالمقاريض، مما يذهب به أهل البلاء من الفضل» .
رواه ابن منجويه في تفسيره.
وروى مالك بن أنس، في الموطأ، «من حديث عطاء بن يسار، أن النبي ﷺ، قال: إذا مرض العبد، بعث الله إليه ملكين، فقال: انظرا ماذا يقول لعواده؟ فإن هو، إذا جاؤوه، حمد الله، وأثنى عليه، رفعا ذلك إلى الله - والله أعلم - فيقول: لعبدي علي إن توفيته، أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته، أن أبدله لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته» .