وقد أطنب الناس - من السلف والخلف - في الرضا، وبسطوا القول فيه، واعتنوا به وهذا يدل على علو منزلته.
قال عمرو بن أسلم العابد: سمعت أبا معاوية الأسود يقول: في قوله تعالى: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ قال: الرضا والقناعة.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، «رفعه إلى النبي ﷺ، قال: جلساء الرحمن، ﵎، يوم القيامة: الخائفون الراضون، المتواضعون الشاكرون الذاكرون» .
وبإسناده، إلى محمد بن كعب، رفعه، أنه قال: أي رب، أي خلقك أعظم ذنبًا؟ قال: الذي يتهمني، قال: رب وهل يتهمك أحد؟ ! قال: نعم، الذي يستجيرني، ولا يرضى بقضائي.
قال مالك بن أنس: بلغني أن أبا الدراء، دخل على رجل وهو يموت، وهو يحمد الله تعالى، فقال أبو الدراء: أصبت، إن الله تعالى إذا قضى أحب أن يرضى به.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن ابن عون، أنه قال: أرض بقضاء الله على ما كان من عسر ويسر، فإن ذلك أقل لغمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك،
[ ١٥٤ ]
واعلم، أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا، حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء، كرضاه عند الغنى والرخاء، كيف تستقضي الله في أمرك، ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفًا لهواك؟ ! ولعل ما هويت من ذلك، لو وفق لك، لكان فيه هلكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك لقلة علمك بالغيب، وكيف تستقضيه؟ إن كنت كذلك ما أنصفت من نفسك، ولا أصبت باب الرضا! !
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا أيضًا، قال: حدثنا الحسين، ثنا عبد الله، حدثني المروزي، قال: قال حفص بن حميد: كنت عند عبد الله بن المبارك بالكوفة حين ماتت امرأته، فسألته ما الرضا؟ قال: الرضا أن لا يتمنى خلاف حاله، فجاء أبو بكر بن عياش فعزى ابن المبارك - قال حفص: ولم أعرفه - فقال عبد الله: سله عما كنا فيه، فسألته، فقال: من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض.
قال حفص: وسألت الفضيل بن عياض، فقال: ذاك للخواص.
ثم قال قادم الديلمي العابد.
قال: قلت للفضيل بن عياش: من الراضي عن الله؟ قال: الذي لا يحب أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها.
وقال أبو عبد الله البراثي: لم يرد الآخرة، أرفع درجات من الراضين عن الله ﷿ على كل حال.
وقال سيار: دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه، فقال: إن أحبه إلي، أحبه إلى الله ﷿.
وقال عمرو بن أسلم العابد: سمعت أبا معاوية الأسود يقول: في قوله تعالى: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ .
قال: الرضا والقناعة.
ذكرهن ابن أبي الدنيا في كتاب الرضا، ثم ذكر عن مصعب بن ماهان، عن سفيان الثوري، قال في قوله تعالى: ﴿وبشر المخبتين﴾ قال: المطمئنين الراضين بقضائه المستسلمين له.
وعن وهب بن منبه، قال: وجدت في زبور داود ﵇: يا داود، هل تدري أي الفقراء أفضل؟ الذين يرضون بحلمي وبقسمي، ويحمدوني على ما أنعمت عليهم، هل تدري يا داود أي المؤمنين أعظم عندي منزلة؟ الذي هو بما أعطي
[ ١٥٥ ]
أشد فرحًا بما حبس.
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد، عن زياد ابن أبي حسان، أنه شهد عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - حين دفن ابنه عبد الملك، استوى قائمًا، وأحاط به الناس، فقال: والله يا بني، لقد كنت بارًا بأبيك، والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسرورًا بك، ولا والله ما كنت قط أشد سرورًا، ولا أرجى لحظي من الله فيك، منذ وضعك الله في المنزل الذي صيرك إليه، فرحمك الله، وغفر لك ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، ورحم كل شافع يشفع لك بخير شاهد وغائب، رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمره، والحمد لله رب العالمين.
ثم انصرف.
وقال سفيان الثوري: قال عمر بن عبد العزيز لابنه: كيف تجدك؟ قال: في الموت، قال: لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك، فقال والله يا أبه، لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب.
وروى الإمام أحمد في الزهد بإسناده، عن الحسن، قال: حدثني الأحوص، قال: دخلنا على ابن مسعود ﵁ وعنده بنون له ثلاثة، كأنهم الدنانير حسنًا، فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال لنا كأنكم يغبطونني بهم؟ قلنا: أي والله، لمثل هؤلاء يغبط المسلم، فرفع رأسه إلى سقف بيت له صغير، قد عشش فيه خطاف وباض، فقال: والذي نفسي بيده، لأن أكون نفضت يدي عن تراب قبورهم، أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف وينكسر بيضه.
وبإسناده عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال يوم مات أبو بكر الصديق ﵁: رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، إنا لله وإنا إليه راجعون.