وليعلم أن البكاء المجرد، ليس فيه منفعة للميت البتة وإنما ينفعه عمله، كما في صحيح البخاري ومسلم، من حديث «أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ، قال: يتبع الميت ثلاث، أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله» .
وفي الصحيح: «إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له» .
فلا منفعة للميت بالبكاء والانزعاج.
قال أبو الفرج بن الجوزي: أما بعد، فإني رأيت عموم الناس، ينزعجون لنزول البلاء، انزعاجًا يزيد عن الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت! وهل ينتظر الصحيح إلا السقم؟ والكبير إلا الهرم؟ والموجود سوى العدم؟! كما قيل:
على ذا مضى الناس، اجتماع وفرقة
وميت ومولود وبشر وأحزان
وما أحسن ما روي عن بعض السلف، أن رجلًا جاءه وهو يأكل طعامًا، فقال له: لقد مات أخوك، أعظم الله أجرك فيه، فقال: اقعد وكل، فقد علمت
[ ٥٢ ]
ذلك، فقال: من أعلمك وما سبقني إليك أحد؟ قال: قوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ .
ثم قال: ولعمري، إن أصل الانزعاج لا ينكر، إذ الطبع مجبول على الجزع من حلول المنايا، وإنما ينكر الإفراط فيه والتكليف، كمن يخرق ثيابه ويلبس الثياب المرذولة عند موت قريبه، ويلطم وجهه، ويعترض على القدر، وهذا، ومثله، وأكثر منه، لا يرد فائتًا، لكنه يدل على خور الجازع ويوجب العقوبة، مع ما يفوته من الأجر والثواب.
قال بعض الحكماء: إذا كان الصبر محمودًا عند المصائب، ومرغوبًا فيه عند حلول النوائب، فالجزع مذموم بكل مقال، وصاحبه ملوم في كل حال، فتعجل المحمود عند العقلاء أحسن، وتجنب المذموم من الخصال أزين.