ومما يقدح في الصبر والرضا، وينافيهما: إظهار المصيبة والتحدث بها وإشاعتها، سواء كان كلام بها بين الأصحاب أو غيرهم، اللهم إلا أن يقول لأصحابه أو لأقاربه: مات فلان، يعني والده أو ولده، ونحو ذلك، وما يريد به إظهار المصيبة، وإنما يريد إعلامهم لأجل الصلاة عليه وتشييعه ونحو ذلك، مما هو من فروض الكفايات ويحصل لهم بذلك القراريط من الأجر، وقد تقدم أن الإعلام بالميت، هل هو نعي أم لا؟ والمقصود أن كتمان المصيبة رأس الصبر.
قال الحسن بن الصباح في مسنده: «حدثنا خلف بن تميم، حدثنا زفر بن سليمان، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: من البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة» وذكر أنه من بث لم يصبر.
وروي من وجه آخر، «من حديث أنس ﵁ رفعه إلى النبي ﷺ، قال: من كنوز البر كتمان المصائب، وما صبر من بث» .
ولما نزل في إحدى عيني عطاء الماء، مكث عشرين سنة، لا يعلم به أهله، حتى جاء ابنه يومًا من قبل عينه التي أصيب فيها، فلم يشعر به، فعلم أن الشيخ قد أصيب.
ودخل رجل على داود الطائي في فراشه، فرآه يزحف، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال: مه، لا تعلم بهذا أحدًا.
وقد أقعد قبل ذلك بأربعة أشهر لم يعلم بذلك أحد.
[ ١٦٧ ]
وشكا الأحنف إلى عمه وجع ضرسه، فكرر ذلك عليه، فقال: ما تكرر علي؟ لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة، فما شكوتها إلى أحد!
ومن المنافاة للصبر والرضا: الهلع عند ورود المصيبة، وهو الجزع، قال الله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا﴾ قال الجوهري: الهلع: أفحش الجزع، وقد هلع بالكسر فهو هالع وهلوع.
«وفي الحديث: شر ما في العبد شح هالع وجبن خالع» .
قال العلامة ابن القيم ﵀: هنا في هذا الحديث أمران: أمر لفظي وأمر معنوي.
فأما اللفظي، فإنه وصف الشح بكونه هالعًا، والهالع صاحبه، وأكثر ما يسمى هلوعًا، ولا يقال: هالع له، فإنه لا يتعدى، وفيه وجهان:
أحدهما - أنه على النسب، كقولهم: ليل نائم، وشر قائم، ونهار صائم ويوم عاصف، كله عند سيبويه على النسب، أي ذو كذا.
والثاني - أن اللفظة غيرت عن بابها للازدواج مع خالع، وله نظائر.
وأما المعنوي فإن الشح والجبن أردى صفتين في العبد، ولا سيما إذا كان شحه هالعًا، أي ملولة في الهلع، وجبنه خالعًا، أي قد خلع قلبه من مكانه، فلا سماحة ولا شجاعة، كما يقال: لا يطرد ولا يثرد، انتهى كلامه.
وروى سعيد بن منصور في سننه: «حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سليمان بن سليم، عن يحيى بن جابر، أن رجلًا أتى النبي ﷺ، فقال: ما يحبط الأجر في المصيبة؟ قال: تصفيق الرجل بيمينه على شماله والصبر عند الصدمة الأولى فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» .
«وذكر بإسناده أيضًا، رفعه إلى النبي ﷺ، قال: إن القوم ليصابون بالمصيبة فيجزعون ويهلعون، فما يكون لهم من أجرها شيء فيمر بهم الرجل من المسلمين، فيسترجع، فيكتب الله ﷿ له
[ ١٦٨ ]
أجر ما أعطاه من تلك المصيبة» .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أحمد بن عبد الأعلى، حدثني شيخ من آل ميمون بن مهران، أن الحجاج أصيب بابن له، فاشتد جزعه عليه، فدخل فغير ثيابه، ومس شيئًا من طيب، وجلس، وأذن للناس، فلم يتكلموا، فقال: حسبي ثواب الله من كل نكبة، وحسبي بقاء الله من كل هالك، تحدثوا.