وليعلم، أن عمارة الأحياء والأموات ليست من خارج، «فإن النبي ﷺ قال: إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» فعمارة القلب هي العمارة النافعة، والميت في قبره كذلك، ليست بزخرفة القبر ولا التربة ولا تزويقها، وإنما العمارة بالصدقة عن ساكنها وأفعال القرب عنه، وقد تقدم هذا في الباب الذي قبله.
أما علم، أن القبر الذي يزخرف ظاهره، فإن باطنه مظلم ضيق، وقد طرح فيه، من هو أحب أقاربه إليه فريدًا وحيدًا، مستوحشًا من غير وسادة ولا تمهيد، وقد باشر الثرى وواجه البلى، وترك دنياه بالورى، ونبذ منها ما كان بيده بالعرا، مع حبيب تركه، وقرين أسلمه، فكل ما ذكرته لك يا أخي يفطم النفوس عن الشهوات، وتعلم أن عمارة البواطن أولى من عمارة الظواهر، وهي العمارة النافعة في يوم القارعة.
فإذا بحثت عن الحقيقة، ونظرت
[ ١٩٠ ]
بعين البصيرة، علمت أنك عن قريب صائر إلى ما صار إليه، وقادم على ما قدم عليه، فإن العبد بينما هو يمرح في أمنيته، غافلًا عن يوم مصرعه، إذ هجمت عليه المنية، فهتكت أستاره، وكسفت أنواره، وطمست أعلامه وآثاره، فأخرجته من قصر مشيد وبيت حميد، مزخرف نضيد، إلى حفرة من الأرض، كحفرة أخيه أو ولده أو غيرهما، مظلمة ضيقة الجوانب، مملوءة من الرعب والفزع، فإما هي روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، أعاذنا الله منها.
قيل لبعض الزهاد: ما أبلغ الموعظة؟ قال: النظر في محلة الأموات.
فإذا كانت القبور النظر إليها موعظة، وهي أول منازل الآخرة، وعبرة لأهل الدنيا، فلا ينبغي التزين ولا التزخرف، ولا ما يفعله غالب الأغنياء من الأمراء والتجار، وغيرهم، من ضرب الخام والخيام وغيرهما في الترب، ووضع البسط والفرش تحت ذلك وينامون عليها، وإخوانهم تحت ذلك، على التراب في حفرة ضيقة مظلمة، فأي موعظة تعظ هؤلاء بموتاهم؟ ! بل هذه غفلة، نسأل الله تعالى السلامة منها.