واعلم - رحمك الله - أن هذه الحاديث، لا تحتاج إلى شيء من هذه التعسفات، وليس فيها بحمد الله إشكال، ولا مخالفة لظاهر القرآن، ولا لقاعدة من قواعد
[ ٥٧ ]
الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره، فإن النبي ﷺ لم يقل: إن الميت ليعاقب ببكاء أهله عليه أو بنوح أهله عليه، وإنما قال: إنه ليعذب بذلك.
ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص.
وقد «قال النبي ﷺ: السفر قطعة من العذاب» .
وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، ويحصل للميت الألم في قبره بمجاورة أهل البدع والفسق والعصيان، ويتأذى بذلك كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره.
ونص الإمام أحمد، على أن الموتى يتأذون بفعل المصيبة عندهم، فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، من لطم الخدود، وتمزق الثياب، وخمش الوجوه وتسويدها، وقطع الشعر ونتفه، ودعا بدعوى الجاهلية، وكل هذا موجود في غالب جهال أهل زماننا، فإذا وجدت هذه الأفعال والأقوال على هذا الوجه، حصل للميت الألم في قبره بذلك، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذا معنى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.