قد تقدم قوله تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ .
وقال تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾، وقال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ فلو لم ينفعهم ذلك، لم يخبر الله تعالى به ترغيبًا.
وأما الأحاديث، فمنها: ما روى الإمام أحمد «من حديث الحسن بن سعد بن عباده، أن أمه ماتت، فقال: يا رسول الله، ماتت أمي، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قال: قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء»، قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة.
ورواه النسائي أيضًا.
ومنها: «عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: اقرؤوا يس على موتاكم» .
رواه أبو داود وابن ماجة، ورواه الإمام أحمد، و«لفظه: يس قلب
[ ١٧٨ ]
القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله ﵎ والدار الآخرة إلا غفر الله له، واقرؤوها على موتاكم» .
وفيه دليل على وصول القراءة إلى الميت فإنه ﷺ أمرنا أن نقرأها على موتانا، وأمره في هذا المكان أمر إرشاد لا يجوز أن يعرى عن فائدة، ولا فائدة للعبد بعد موته أعظم من الثواب، فإنا نعلم يقينًا، أن الميت من أحوج الناس الى ما يقربه من رحمة الله، ويباعده من عذاب الله، وقد امتنع عليه ذلك بعد موته بفعل نفسه، فما بقي يحصل له ذلك إلا بفعل غيره، والحصول هو الثواب المترتب على القراءة، والله أعلم.
فإن قيل: قد فسر جماعة من العلماء أن المراد بقراءة يس عند الاحتضار للمسلم الذي سيموت.
وقد ذهب الى هذا جماعة من العلماء حتى الشيخ مجد الدين ابن تيمية الحراني بوب عليه في كتابه المنتقى.
قيل: هذا خلاف الحقيقة، فإنه إذا حمل على من سيموت يكون حمل اللفظ على مجازه، ومعلوم أن حمل اللفظ على حقيقته أولى من حمله على مجازه، فإن سلم أنه أريد به المحتضر، فهو حجة على المخالف المانع من وصول ثواب القراءة إلى الميت، فإن قول المخالف في أن الحي لا ينتفع بعمل الغير، أشد من قوله في الميت.
فإن قيل: إنما يحصل له به راحة وسرور كالتذاذة به في الدنيا.
قلنا: هذه دعوى تفتقر إلى دليل، والأصل عدمه، بل نقول: أي راحة وسرور أعظم من ثواب يحصل للميت يرفع درجاته أو يحط عنه سيئاته؟ وقد أفردت لهذا الكلام جزءًا وسميته الدر المنتخب في إهداء القرب فمن رام كشف ذلك فليطلبه من محله، وما نذكره هنا على سبيل التنبيه.
ومنها ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن العاص بن وائل، نذر أن ينحر في الجاهلية مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، «وأن عمرًا سأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: أما أبوك، فلو أقر بالتوحيد، فصمت عنه وتصدقت عنه نفعه ذلك» رواه الإمام أحمد، وهو دليل على وصول أفعال الخير إلى الميت.
[ ١٧٩ ]
ومنها: «عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ: إن أبي مات ولم يوص، أفينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم» .
رواه مسلم والإمام أحمد والنسائي وابن ماجة.
ومنها: «عن عائشة ﵂ أن رجلًا، قال للنبي ﷺ: إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» .
رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد.
و«عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ، قال: ما على أحدكم، إذا أراد أن يتصدق بصدقة تطوعًا، أن يجعلها عن والديه، إذا كانا مسلمين، فيكون لوالديه أجرها، وله مثل أجورهما، من غير أن ينقص من أجورهما شيء» .
رواه حرب في مسائله بسنده.
وروى ابن المنذر بإسناده، عن عائشة ﵂ أنها أعتقت عن أخيها عبد الرحمن عبدًا بعد موته.
وروى الدارقطني، وغيره، «عن عطاء بن أبي رباح، مرسلًا، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أبي مات، أفأعتق عنه؟ قال: نعم» .
وروى الدارقطني أيضًا، عن الحسن والحسين ﵄ ـأنهما كانا يعتقان عن أبيهما علي بن أبي طالب ﵁ بعد موته.
«عن ابن أسيد، مالك بن ربيعة الساعدي، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وافتقاد عهدهما بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقيهما» .
رواه أبو داود، وهذا لفظه، وابن ماجة.
[ ١٨٠ ]