وقد حذر الله ﷾، عباده المؤمنين، في كتابه العزيز، من فتنة المال، ومن فتنة الأزواج، ومن فتنة الأولاد، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ .
وقال تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ .
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم﴾ وليس المراد من هذه العداوة، ما يفهمه كثير من الناس، أنها
[ ١٤٥ ]
عداوة البغضاء والمجادلة، بل عداوة المحبة الصادة للآباء، عن الهجرة والجهاد وتعليم العلم، وغير ذلك من أعمال البر، هذا معنى ما ذكره العلامة ابن القيم.
فالمقصود: أنه من صبر في السراء عن المعصية، فقد أمن فتنة المال، فإنه قادر على فعل المعصية وبذل المال، فلهذا كان له الثواب الجزيل، والفضل العظيم، وكذلك من صبر على تربية الأولاد، وأذى بعض الزوجات، كان له الدرجات العاليات، فإنه ليس كل زوجة وولد منهم أذى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم﴾ فإن: من، هنا للتبعيض باتفاق الناس، والمعنى: إن من الأزواج والأولاد عدوًا، ليس المراد أن كل زوج وولد عدو، فإن هذا ليس هو مدلول اللفظ، وهو باطل في نفسه، فإنه ﷾ قد قال عن عباد الرحمن: إنهم يقولون: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين﴾، فسألوا الله أن يهب لهم من أزواجهم وأولادهم قرة أعين، فلو كان كل زوج وولد عدوًا، لم يكن فيهم قرة أعين، فإن العدو لا يكون قرة عين، بل سخنة عين.
وأيضًا فإنه من المعلوم أن إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم، ويحيى بن زكريا وأمثالهم ليسوا أعداء.
وقول من قال: إنها زائدة غلط لوجوه:
أحدهما - أن مذهب سيبويه وجمهور أئمة النحاة: أنها لا تزاد في الإثبات، وإنما تزاد في النفي تحقيقًا لعموم النفي، لقوله تعالى: ﴿وما من إله إلا الله﴾، ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾، ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ ونحو ذلك، فإنه لولا: من، لكان الكلام ظاهرًا في العموم، فإنه يجوز أن يقول، ما رأيت رجلًا بل رأيت رجلين: فإذا أدخلت من، فقلت: ما رأيت من رجل، كان نعتًا في العموم، فلا يجوز أن يقال: ما رأيت من رجل بل رجلين، مع أن النكرة في سياق النفي العموم مطلقًا، لكن قد يكون نصًا.
وقد
[ ١٤٦ ]
يكون ظاهرًا، فإذا كانت ظاهرًا، احتملت نفي الواحد من الجنس، بخلاف النص، وهذا الموضع إثبات لا نفي، فلا تزاد فيه.
الثاني - أن من جوز زيادتها في الإثبات - كالأخفش - لا يجوزه إلا إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وإلا فلو قال قائل: إن من هؤلاء القوم مسلمين، وأراد أن جميعهم مسلمون لم يجز ذلك بالاتفاق.
الثالث إذا قيل بزيادتها كان المعنى باطلًا.
الرابع - الزيادة على خلاف الأصل، فلا يجوز ادعاؤها بغير دليل.
انتهى كلامه.
وهذه فائدة عارضة، ذكرتها على سبيل التنبيه، لوقوع ناس كثر فيها.
والمقصود: أن العبد لا يستغني عن الصبر في حالة من الأحوال، ويكفي من فضل الصبر، أن الله تعالى وصف نفسه به، كما في
«حديث أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: ليس أحد - أو ليس شيء - أصبر على أذى سمعه، من الله تعالى، إنهم يدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم» .
رواه البخاري.
قال القرطبي في تفسيره: وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم، ومعنى وصفه تعالى بالحلم، هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها، ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل، وإنما ورد في الحديث، وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم.
قاله: ابن فورك.
انتهى كلامه.
وذكر عند قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة﴾، قلت: وقد جاء في أسمائه الحسنى الصبور، وجاء في أسمائه الحليم، فلو كان الصبور بمعنى الحليم كان الاسمان الشريفان مترادفين، والأصل في الأسماء التغابر، والله أعلم.
[ ١٤٧ ]