«وكان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ ! فقال: إن رسول الله ﷺ، قال: إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه» .
«وروى الترمذي في جامعه أن النبي ﷺ، قال: ما رأيت منظرًا إلا والقبر أفظع منه»
وروى الترمذي أيضًا، «من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ مصلاه، فرأى ناسًا كأنهم يكتشرون، فقال: أما إنكم لو
[ ١٩١ ]
أكثرتم ذكر هاذم اللذات - يعني الموت - لشغلكم عما أرى، فأكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه، فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبًا وأهلًا، أما إن كنت لأحب من مشى على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم وصرت إلي، فسترى صنيعي بك، فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر، قال له القبر: لا مرحبًا ولا أهلًا، أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم، فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه وتختلف أضلاعه، قال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها في بعض، قال: ويقيض له سبعون تنينًا، لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض، ما أنبتت شيئًا ما بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه، حتى يفضى به إلى الحساب» .
«قال رسول الله ﷺ: إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار» .
وروى الحاكم في كتاب الكنى، والقاسم بن أصبغ، «من حديث أبي الحجاج الثمالي، قال: قال رسول الله ﷺ: يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الوحدة، وبيت الدود؟ ما غرك بي يا ابن آدم؟ ! فإن كان مصلحًا، أجاب عنه مجيب القبر: فيقول: أرأيت إن كان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؟ فيقول القبر: إني أعود عليه خضرًا ويعود جسمه نورًا، وتصعد روحه إلى رب العالمين» .
وقال مجاهد: أول ما يكلم ابن آدم حفرته، تقول أنا بيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة، وبيت الظلمة، وبيت الغربة! هذا ما أعددت لك يا ابن آدم فما أعددت لي؟ !
وقال أبو الدرداء ﵁: ألا أخبركم بيوم فقري؟ يوم أدخل قبري!
وكان جعفر الصادق ﵁ يأتي القبور ليلًا، ويقول: يا أهل القبور، ما لي إذا دعوتكم لا تجيبون؟ ثم يقول: حيل والله بينهم وبين الجواب، وكأني
[ ١٩٢ ]
أكون مثلهم، وأدخل في جملتهم.
ثم يستقبل القبلة حتى طلوع الفجر.
وقال عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - لبعض جلسائه: يا فلان، لقد أرقت البارحة تفكيرًا بالقبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث ليال في قبره، لاستوحشت منه بعد طول الأنس به، ولرأيت بيتًا تجول الهوام فيه، ويجري فيه الصديد، وتخرقه الديدان، مع تغير الريح وتقطع الأكفان، وكان ذلك بعد حسن الهيئة وطيب الريح، ونقاء الثوب.
ثم شهق شهقة خر مغشيًا عليه.
وقال بعض الحكماء: أربعة أبحر لأربع: الموت بحر الحياة، والنفس بحر الشهوات، والقبر بحر الندامات، وعفو الله بحر الخطيئات، فنسأل الله العظيم أن يجعل الله القبر خير بيت نعمره ونسكنه!