الرضا من أعمال القلوب، لكن وإن كان من أعمال القلوب، فكماله هو الحمد، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا، ولهذا جاء في الكتاب والسنة: حمد لله على كل حال، وذلك يتضمن الرضا بقضائه.
«وفي الحديث: أول من يدعى إلى الجنة الحمادون، الذين يحمدون الله في السراء والضراء» .
«وفي الحديث مرفوعًا، أن النبي
[ ١٥٨ ]
ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره، قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه أمر يسوؤه قال: الحمد لله على كل حال» .
وقد تقدم في مسند الإمام أحمد «من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي ﷺ قال: إذا قبض الله ولد العبد، يقول الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال؟ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول الله ﷿: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد» .
ومحمد نبينا ﷺ هو صاحب لواء الحمد، وأمته هم الحمادون، الذين يحمدون الله في السراء والضراء، والرضا.
والحمد على الرضا له مشهدان:
أحدهما - علم العبد، بأن الله سبحانه مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه، أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء، وهو العليم الحكيم.
الثاني - أن يعلم أن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه، كما روى مسلم في صحيحه، «عن النبي ﷺ أنه قال: والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاءً، إلا كان خيرًا، وليس ذلك إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له»، فأخبر ﷺ أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على الرخاء فهو خير له، كما قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ .
فمن لا يصبر على البلاء، ولا يشكر على الرخاء، فلا يلزم أن يكون القضاء خيرًا له، ولهذا أجيب من أورد على هذا، بما يقضى على المؤمن من المعاصي، بجوابين:
أحدهما: أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد لا ما يفعله، كما في قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ وكقوله تعالى أيضًا: ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون﴾ أي السراء والضراء.
الثاني - أن هذا في حق المؤمن الصابر
[ ١٥٩ ]
الشاكر، والذنوب تنقص الإيمان، فإذا تاب العبد أحبه الله، وقد ترتفع درجته بالتوبة.
قال بعض السلف: كان داود ﵇، بعد التوبة، خيرًا منه قبل الخطيئة، فمن قضي له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة، فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة، فيدخل بها الجنة، وذلك أنه يعمل الحسنة، فتكون نصب عينيه ويعجب بها، ويعمل السيئة، فتكون نصب عينيه، فيستغفر الله ويتوب إليه منها.
وثبت في الصحيح «أن النبي ﷺ قال: الأعمال بالخواتيم» .
والمؤمن، إذا فعل سيئة، فإن عقوبتها تندفع بعشرة أسباب:
أحدهما: أن يتوب توبة نصوحًا ليتوب الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
الثاني: أن يستغفر الله فيغفر الله تعالى له.
الثالث: أن يعمل حسنات يمحوها لقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ .
الرابع: أن يدعو له إخوانه المؤمنون ويشفعون له حيًا وميتًا.
الخامس: أن يهدي له إخوانه المؤمنون من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.
السادس: أن يشفع فيه نبينا محمد ﷺ.
السابع: أن يبتليه الله في الدنيا بمصائب، في نفسه وماله، وأولاده وأقاربه، ومن يحب، ونحو ذلك.
الثامن: أن يبتليه في البرزخ بالفتنة والضغطة، وهي عصر القبر، فيكفر بها عنه.
التاسع: أن يبتليه الله في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه.
[ ١٦٠ ]
العاشر: أن يرحمه أرحم الراحمين.
فمن أخطأته هذه العشرة، فلا يلومن إلا نفسه، «كما قال تعالى في الأحاديث الإلهيات: إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم - ثم أوفيكم إياها ـ، فمن وجد خيرًا، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية.
والمقصود أن المؤمن إذا كان يعلم أن القضاء خير له، فيرضى عن الله بما قسم له، كان قد رضي بما هو خير له.
«وفي الحديث: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن الله يقضي بالقضاء، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» .
[ ١٦١ ]