أما ما يحدثه الله من مصائب، فتارة بغير فعل الخلائق كالأمراض ونحوها، وتارة بفعلهم.
وفصل الخطاب: أن المصائب إن تولدت عن عمل صالح، كما تتولد عن
[ ١٧٣ ]
الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، فهذا يثاب عليه، فإن الإنسان يثيبه الله على عمله وعلى ما يتولد من عمله إذا أقدم على احتماله، فإن المجاهد قد أقدم على الجهاد وهو يعلم أنه يؤذى في الله ﷿، وقد يناله ضرر في جهاده فتموت فرسه، أو يأخذ ماله، أو يضرب أو يشتم ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح﴾، فأخبر تعالى، أنه يكتب لهم عمل صالح، بما يصيبهم من التعب والجوع والعطش، ونحو ذلك الذي حصل لهم بسبب الجهاد في سبيل الله ﷿، فهذه الأمور يغفر الله بها خطاياه، ويؤجر على هذه المصائب، لأنها حصلت بسبب جهاده فهي مما تولد من عمله، وما تولد عن عمله الصالح من المصائب يثاب عليها.
وأما الجوع والعطش والتعب الذي يحصل من دون ذلك فلا يثاب إلا على الصبر عليه، فإنه ليس من عمله ولا متولدًا من عمل صالح، لكن هو من المصائب التي يكفر الله بها خطاياه.
وأما المصيبة بالولد، فالولد تولد عن جماعه الذي صان نفسه به عن الزنا، وقصد به النسل، وتكثير الأمة، وغض البصر عن المحارم، فإذا حصل له ذلك، ثم مات الولد، فقد أثيب عليه من جهة، وكفر الله به خطاياه من جهة، لأنه تولد عن عمله.
وأما الأمراض والأسقام فهي تكفر الخطايا.
وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح لما عادوه وقالوا: له أجر.
فقال: ليس لي من الأجر مثل هذه، ولكن المرض حطة يحيط الله بها الخطايا.
فهذا الذي ذكرته هو الفرق بين المصائب التي يثاب عليها، والمصائب التي لا يثاب عليها، فإن بعض الناس يظن أنه يثاب على كل مصيبة، ومن العلماء من يطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها، وإنما يصاب على الصبر عليها.
ثم قال بعد ذلك بكلام كثير: فمن فعل فعلًا صالحًا باختياره، فأوذي، واحتسب ذلك الأذى، كان ذلك الأذى من
[ ١٧٤ ]
عمله الصالح الذي يثاب عليه، كالصائم إذا احتسب جوعه وعطشه.
«وقد قال ﷺ: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» والخلوف تولد عن صومه بغير اختياره، ولكن تولد عن عمل صالح، وكذلك القائم بالليل، إذا احتسب تعبه وسهره، فإن الأذى الذي يحصل باختيارك في طاعة الله، أنت جلبته على نفسك باختيارك طاعة الله، فليس هو كمن أوذي بغير اختياره، فإن ذلك أذاه مصيبة محضة، لكن هي حق له على الظالم.
وقال الشيخ ﵀ «في قول النبي ﷺ: لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له» .
وهي نفسها تكفر خطاياه ويؤجر على الصبر عليها، ففيها له مغفرة من جهة ما يكفره من الخطايا.
وله فيها رحمة من جهة ما يؤجر على الصبر عليها، لا سيما إذا اقترن بها توبة وإنابة إلى الله، وتوكل عليه وتوحيد له وإخلاص الدين له، فإنها تكون من أعظم النعم، ومصيبة تقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله.
وقال بعض السلف: يا ابن آدم، لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها قرع باب سيدك.
«وفي الحديث إذا قالوا للمرض: اللهم ارحمه، يقول الله ﷿: كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟» .
وفي الأثر: يا ابن آدم، البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك.
انتهى.
والمقصود من كلام الشيخ ﵀ أن كل ما تولد عن عمله الصالح من المصائب أثيب عليه، بخلاف المصائب التي لم تتولد عن عمله، فإنها مكفرات لا مثيبات.
ت