قد يستحوذ الشيطان على المريض، فيوسوس له بأنك ستفارق المحبوبات، وتخرج من الدنيا إلى مكان فظيع موحش، وتلقى بين أطباق الثرى، وكيف يؤلمك؟ ! فربما أسخطه على ربه، وكرهه لقاء الله ﷿.
وربما أنطقه بكلام يتضمن نوع إعراض وتسخط.
ثم يوسوس لأقاربه، بأنه لا بد أن يفوتكم من بره وإحسانه ما يزيد عن الوصف، أو أنه كان قد نشأ منشأحسنًا، وقد بدأ يترقى إلى المناصب العالية، فيهيج هؤلاء على البكاء المحرم، وفعل ما لا يجوز فعله، ويهيج المريض على الحزن على فراق الدنيا.
فينبغي لكلا الطائفتين، أن يتداووا بالأدوية الشرعية، وقد تقدم في الباب الأول ما فيه كفاية من الأدوية الإلهية فلا حاجة إلى تكرارها، ولكن يجاب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن الأغلب فيمن يفارقه أنه يؤثر فراقه خصوصًا إن كان شيخًا
[ ٥٨ ]
كبيرًا أو أنه شاب أو كهل يحجر على من ذكرته من قرابة أو ولد ونحوه، أو له خلق شديد، وأخص منه إن كان ذا مال وقد رأيت في زماننا من كان من أصحاب الأموال وهو محسن لأهله وأقاربه، فمرض فأوصى بوصايا لأقاربه لمن ليس بوارث في الحال، فلما مات خلف مالًا جزيلًا، فاشتغل الوارث وغيره بالمال عن الحزن عليه، فأخذوا في الخصام عليه وتفرقته.
فهذا، وهو محسن إليهم بماله، وما أخذوه فهو سريع الذهاب، وأما بره إليهم لو بقي حصل لهم أضعاف ذلك.
فلا ينبغي للعبد أن يحزن لفراق من لا يحزن لفراقه.
وذكر أبو القاسم بن عساكر، قال: أنشدني محمد بن الأشعث لنفسه، في ذم الحزن من حيث هو:
قلم القضاء جرى بكل مكون
يا صاحب الأحزان ماذا تحزن!
إن كان سخطك ليس يجلب راحة
فرضاك بالبلوى أحق وأحسن
والثاني الرجاء لملاقاة من هو أحب إليه منه، وما من مؤمن يموت فيؤثر الرجوع إلى الدنيا ولو أنها جميعها له إلا الشهيد.
فإنه يحب الرجوع ليقاتل مرة أخرى، لما يرى من عظم أجر الشهادة، كما سيأتي ذكره بعد.
«وقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: ما من نفس مؤمنة مسلمة يقبضها ربها ﷿ تحب أن تعود إليكم وأن لها الدنيا وما فيها» .