وهو إعلام الناس بموت الشخص، على ما يفعله أهل زماننا بالكبير أو بالمشهور، ويرسلون مناديًا يعلم الناس به.
قال العلامة ابن القيم في الهدي: «وكان من هديه ﷺ ترك نعي الميت، بل كان ينهىعنه ويقول: وهو من عمل الجاهلية» .
انتهى كلامه.
وقال الحافظ ضياء الدين ﵀ في أحكامه: باب كراهة النعي، وساق في الباب ثلاثة أحاديث، منها: «عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ
[ ٥٩ ]
قال: إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية قال عبد الله: أذان بالميت» .
رواه الترمذي، وقال حديث حسن غريب.
«وعن حذيفة، قال: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي» .
رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي، وهذا لفظه، وحسنه.
«وعند ابن ماجة: كان حذيفة إذا مات له الميت، قال: لا تؤذنوا به أحدًا إني أخاف أن يكون نعيًا، إني سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين ينهي عن النعي» .
وروى أحمد أيضًا هذه الزيادة كما رواها ابن ماجة، ولكن لم يقل بأذني هاتين.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا ابن عون، قال: قلت لإبراهيم: أكان النعي يكره؟ قال: نعم: قال إبراهيم: إذا توفي الرجل، يركب رجل دابته، ثم صاح في الناس: أنعى فلانًا.
وبإسناده إلى ابن عون قال: سمعت بالكوفة، أن شريحًا كان لا يؤذن بجنازة أحد، فذكرت ذلك لمحمد بن سرين، فقال: إن شريحًا كان مكيًا، ما أعلم به بأسًا أن يؤذن الرجل صديقه، ويؤذن الرجل جمعه.
وذكر بإسناده، حدثنا حماد عن إبراهيم، أنه قال: لا بأس إذا مات الرجل، أن يؤذن صديقه وأصحابه، إنما يكره أن يكون في المجلس، فيقال: أنعي فلانًا، فعل الجاهلية.
وقد روى الترمذي، «عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: ما من ميت يموت، فيقوم باكيها فيقول: وا جبلاه، وا سنداه، أو نحو ذلك، إلا وكل الله به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت؟» قال الترمذي: حديث حسن.
والمقصود أن هذه الأحاديث دالة على النهي، وأنه من فعل الجاهلية، لكن الأحاديث التي ذكرناها، منها ما يدل على أن النعي إعلام الناس بأن فلانًا قد
[ ٦٠ ]
مات، ومنها ما يدل على أن النعي هو تعداد صفات الميت، فالظاهر أن كلاهما نعي، والله أعلم.
وما يفعله الناس اليوم في زماننا، من إعلام الناس بالميت، والمناداة له، فهو من البدع المنهي عنها، كما وردفي الحديث، فإنه مفض إلى تأخير الميت، لأجل اجتماع الناس له، تأخيرًا زائدًا عن الحد، ويتركون السنة التي من شأنها الإسراع بالجنازة.
كما «ثبت في سنن أبو داود: أن أبا طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: إني أرى طلحة قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم، أن تحبس بين ظهراني أهله» .
وإن كان المراد النعي الذي هو تعداد صفات الميت، فيقال: الذي ينبغي أن يقال: لا بأس بالكلمات اليسيرة إذا كانت صدقًا، لا على وجه النوح والتسخط، فلا يحرم، ولا ينافي الصبر، ولا يكون من المنهي عنه، بل قد نص الإمام أحمد ﵀ أن الكلمات اليسيرة من الصدق لا تنافي الصبر الواجب.
يؤيد ذلك ما ثبت في صحيح البخاري «من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: لما ثقل رسول الله ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: وا كرب أبتاه، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم.
فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه، فلما دفن رسول الله ﷺ قالت فاطمة: أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ؟»
«وعن أنس أيضًا أن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يده على صدغيه، وقال: وا نبياه، وا خليلاه، وا صفياه» رواه الإمام أحمد.
«وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات» .
رواه البخاري ومسلم.
وفي لفظ لهما قال: «استغفروا لأخيكم» .
وقد تقدم قول النبي ﷺ: «وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» .
وهذا ونحوه من الأقاويل التي تقدمت، ليس تسخط على الرب ﵎ بما قضاه وقدره، ولا ينافي الصبر الواجب، ولا يأثم به قائله، والله أعلم.
[ ٦١ ]