قد تقدم ما سنه رسول الله ﷺ لأهل المصيبة، وما نهى عنه، ومما سنه الخشوع، والبكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، «وكان يفعل ذلك ويقول:
[ ١٥٦ ]
تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب»، وكذلك الحمد والاسترجاع.
وقد تقدم.
ومن سنته: الرضا عن الله في المصيبة وغيرها، ولم يكن ذلك منافيًا لدمع العين وحزن القلب.
وأشد الناس حرصًا على رضى مولاهم الأنبياء، فقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده، «عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إنا معشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفًا، قال: فقلنا سبحان الله! قال: أفعجبتم؟ إن أشد الناس بلاءً الأنبياء والصالحون، الأمثل فالأمثل.
قلنا سبحان الله! قال: أفعجبتم؟ إن كان النبي من الأنبياء، ليتدرع العباءة من الحاجة، لا يجد غيرها، قلنا: سبحان الله! قال: أفعجبتم؟ إن كانوا ليفرحون بالبلاء، كما تفرحون بالرخاء» .
ولهذا كان أرضاهم، وأرضى الخلق عن الله، نبينا محمد ﷺ في قضائه وقدره، وأعظمهم له حمدًا، ولم يمكنني حصر ما وقع له في ذلك لكثرته وشهرته، ومع ذلك بكى يوم مات ابنه إبراهيم ﵇ رأفةً ورحمةً منه للولد، ورقةً عليه، وقلبه ﷺ ممتلئ بالرضا عن الله تعالى وشكره له، واللسان مشتغل بحمده وذكره.
ولما ضاق هذا المشهد والجمع بين الأمرين - يعني رحمة الولد والرقة عليه والرضا عن الله تعالى - على أن بعض العارفين من السلف، يوم مات ولده، جعل يضحك، فقيل له: تضحك في مثل هذه الحال؟ فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه.
فأشكل هذا على جماعة من العلماء وأرباب الأحوال والتصوف، وقالوا: كيف يبكي رسول رب العالمين ﷺ يوم مات ولده، وهو أرضى الخلق عن الله، ويبلغ الرضا بهذا العارف إلى أن ضحك يوم مات ولده؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هدي نبينا ﷺ أكمل من هدي هذا العارف، فإنه أعطى ﷺ العبودية حقها، فاتسع قلبه للرضا عن الله ورحمة الولد والرقة عليه، فحمد الله ورضي عنه في قضائه، وبكى رحمةً ورقةً، فحملته الرحمة على البكاء، وعبوديته لله ومحبته له على الرضا والحمد، وهذا العارف ضاق قلبه عن
[ ١٥٧ ]
اجتماع الأمرين، ولم يتسع باطنه لشهودهما والقيام بهما، فشغلته عبودية الرضا عن عبودية الرحمة والرقة، والله تعالى أعلم.
انتهى.
قلت وما يؤيد ما ذكره الشيخ ﵀ قصة نبي الله يعقوب إسرائيل ﵇، إذ حكى الله تعالى عنه أنه ابيضت عيناه من الحزن، وقال: ﴿فصبر جميل﴾ و﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ فمشهده أوسع من مشهد هذا العارف، بل نبي الله يعقوب أبلغ من هذا العارف، فإن يعقوب كان له عدة من الولد، ومع هذا فهذه الرقة والرحمة التي عنده، مع الرضا الكامل، واستعمل الرضا والتفويض في قوله: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ واستعمل الرقة والرحمة عند ﴿وابيضت عيناه من الحزن﴾ فطريقة يعقوب ﵇ أفضل من طريقة هذا العارف، مع كثرة أولاد يعقوب، وهذه رحمته ورقته، وأما هذا العارف - على ما قيل - لم يكن له ولد سواه.
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده، عن ثابت البناني: أن صلة بن أشيم، كان في مغزى له، ومعه ابنه، فقال له: أي بني، تقدم فقاتل، حتى أحتسبك، فجاء فقاتل حتى قتل، ثم تقدم أبوه فقتل، فاجتمعت النساء عند أمه معاذة العدوية، فقالت: مرحبًا، إن كنتن جئتن لتهنئنني مرحبًا بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي: قال أبو جحيفة: إنا لمتوجهون إلى همذان، ومعنا رجل من الأزد، فجعل يبكي، فقلت: أجزع هذا؟ قال: لا، ولكن تركت ابني في الرحل، فلوددت أنه كان معي، فدخلنا الجنة جميعًا.