فقد روى الطبراني في كتاب الدعاءبإسناده، «عن محمود بن لبيد، عن معاذ بن جبل ﵁ أنه مات ابن له، فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه بابنه، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لاإله إلا هو، أمابعد، فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى، إن احتسبته بالصبر، ولا يحبط جزعك أجرك، فتندم على مافاتك من ثواب مصيبتك، فإنك لو اطلعت على ثواب مصيبتك، لعرفت أن المصيبة قد قصرت عن الثواب - وهذه الزيادة في بعض طرقه - ثم قال: وما هو نازل بك فكأن قد، والسلام» .
ورواه الحاكم في المستدرك وقال: غريب حسن.
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردوية في كتاب الأدعية «وعنده: فليذهب أسفك ما هو نازل بك» .
و«لفظ الحاكم: فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا
[ ١٢٤ ]
وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعواريه المستودعة، نتمتع به إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم، ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى،..
» وباقي الحديث كما ساقه الطبراني، والله أعلم.
ورأيت في جزء لا أعرف مؤلفه وليس له أول: قال زيد بن أسلم: مات ابن لداود ﵇، فجزع عليه، فعزوه فيه، فقيل له: ما كان يعدل عندك؟ قال: كان أحب إلي من ملء الأرض ذهبًا، فقيل له: فإن لك من الأجر على قدر ذلك.
وفي اسرائيليات: أن سليمان بن داود ﵉ مات له ولد، فجزع عليه حتى عرف ذلك في مصابه، فتحاكم إليه ملكان في صورة رجلين فقال أحدهما: إن هذا بذر بذرًا في طريق الناس، فمررت فأفسدته، فقال سليمان للآخر: لم بذرت في الطريق؟ أما علمت أنه لا بد من ممر؟ فقال: ولم تحزن أنت على ابنك وهذا طريق الناس إلى الآخرة؟ !
«وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه، أن ابنًا لي قد قبض فأتنا، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب» .
رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة.
«وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض كتب الله تعالى يقول: لولا أني جعلت الميت ينتن على أهله، ما دفن ميت، ولولا أني جعلت الطعام يفسد، لاحتجبه الملوك، ولولا أني آتي بالعزاء بعد المصيبة، ما عمرت الدنيا» .
وقال الحسن البصري ﵀: ما من جزعتين أحب إلى الله، من جزعة مصيبة موجعة محرقة، ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر، وجزعة غيظ، ردها صاحبها بحلم.
وقد روي عن شمر، أنه كان إذا عزى مصابًا قال: اصبر لما حكم ربك.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني عبد الله بن محمد بن إسماعيل التيمي، أن رجلًا عزى رجلًا على ابنه، فقال: إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر، فإنها أعظم مصيبتين عليك، والسلام.
[ ١٢٥ ]
وعزى ابن السماك رجلًا فقال: عليك بالصبر، فيه يعمل من احتسب، وإليه يصير من جزع.
وقال عمروبن دينار: قال عبيد بن عمير: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع: القول السيئ والظن السيئ.
وقال خالد بن أبي عثمان القرشي: كان سعيد بن جبير يعزيني على أبي، فرآني أطوف بالبيت متقنعًا، فكشف القناع عن رأسي، وقال: الاستتارمن الجزع.
وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي ﵀: أن عبد الرحمن بن مهدي، مات له ابن، فجزع عليه جزعًا شديدًا، فبعث إليه الشافعي يقول له: يا أخي، عز نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أمض المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟ فتناول حظك - يا أخي - إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد تناءى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأحرز لنا بالصبر أجرًا، ثم أنشده:
إني معزيك لا أني على ثقة من الخلود، ولكن سنة الدين
فلا المعزى بباق بعد ميته ولا المعزي، ولو عاشا إلى حين
ومات ابن للشافعي ﵀ فجاؤوا يعزونه، فأنشد:
وما الدهر إلا هكذا، فاصطبر له
رزية مال، أو فراق حبيب
دخل بعض الأعراب على بعض ملوك بني العباس، وقد توفي له ولد اسمه العباس، فعزاه فيه فقال:
اصبر نكن بك صابرين، فإنما صبر الرعية عند صبر الراس
وخير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس
وذكر أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا بإسباده، أن شخصًا من الحكماء أنشده:
إذا دام ذا الدهر، لم يحزن على أحد
ممن يموت، ولم يفرح بمولود
[ ١٢٦ ]
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسين، حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن مسلمة القاسمي - وكان قد قارب المائة - قال: وعظ عابد جبارًا، فأمر به، فقطعت يداه ورجلاه، وحمل إلى متعبده، فجاءه إخوانه يعزونه، فقال: لا تعزوني، ولكن هنئوني بما ساق الله إلي، ثم قال: إلهي، أصبحت في منزلة الرغائب، أنظر إلى العجائب، إلهي، أنت تتودد بنعمتك إلي من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك؟!
وذكر عن سليمان بن حبيب، قال: لما مات عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، دخل عليه هشام فعزاه عنه، فقال عمر: وأنا أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله ﷿، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي، وإحسانه إلي.
وفي رواية أخرى، قال: لما مات ابنه عبد الملك، وأخوه سهل، ومزاحم مولى عمر بن عبد العزيز، في أيام متتابعة، دخل عليه الربيع بن سبرة، فقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فما رأيت أحدًا أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله ما رأيت مثل ابنك ابنًا، ولا مثل أخيك أخًا، ولا مثل مولاك مولى قط، فطأطأ رأسه، فقال لي رجل معه على الوساد: لقد هيجت عليه، قال: ثم رفع رأسه فقال: كيف قلت؟ ! فأعدت عليه ما قلت، فقال: لا، والذي قضى عليهم بالموت، ما أحب أن شيئًا من ذلك لم يكن.
وعن بشر بن عبد الله، قال: قام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك، فقال: رحمك الله يا بني، فقد كنت سارًا مولودًا، وبارًا ناشئًا، وما أحب أني دعوتك فأجبتني!
ولما توفيت الياقوتة بنت المهدي، جزع عليها جزعًا لم يسمع بمثله، فجلس للناس يعزونه، وأمر أن لا يحجب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة، فأجمعوا أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شبة، فإنه قال: أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجرًا، وأعقبك خيرًا ولا أجهد بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده.
وفي رواية قال: يا أمير
[ ١٢٧ ]
المؤمنين، الله خير لك منها، وأنا أسأل الله أن لا يحزنك ولا يفتنك.
وقد روى مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، قال: هلكت امرأة لي، فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها، فقال: إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عالم عابد مجتهد، وكانت له امرأة، وكان بها معجبًا، وكان لها محبًا، فماتت، فوجد عليها وجدًا شديدًا، وتأسف عليها تأسفًا شديدًا، حتى خلا في بيت، وأغلق على نفسه واحتجب، وإن امرأة سمعت به، فجاءته، فقالت: إن لي إليه حاجة أستفتيه فيها، ليس يجزيني إلا مشافهته، فذهب الناس ولزمت بابه.
وقالت: ما لي منه بد، فقال له قائل: إن ها هنا امراة أرادت أن تستفتيك.
قال: ائذنوا لها، فدخلت، فقالت: إني استعرت من جارة لي حليًا، وكنت ألبسه وأعيره، فلبث عندي زمانًا، ثم إنهم أرسلوا إلي فيه، أفأرده إليهم؟ قال: نعم، والإله، قالت: إنه مكث عندي زمانًا؟ ! قال: فذاك أحق لردك إياه إليهم، قالت: أفتتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك، وهو أحق به منك؟ فأبصر ما هو فيه، ونفعه الله تعالى بقولها.
وعزى عمرو بن عبيد يونس بن عبيد، على ولد له مات، فقال: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرءًا ذهب أصله وفرعه لحري أن يقل بقاؤه.
وعزى صالح المري رجلًا قد مات ولده، فقال: إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك، فنعم المصيبة مصيبتك، وإن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك.
وعزى رجل رجلًا، فقال: يا أخي، العاقل يصنع في أول يوم ما يفعله الجاهل بعد عام.
وعزى رجل رجلًا فقال: عليك بتقوى الله، والصبر فيه، فإنه يأخذ المحتسب وإليه يرجع الجازع.
وعزى رجل رجلًا فقال: إن من كان لك في الآخرة أجرًا، خير ممن كان
[ ١٢٨ ]
لك في الدنيا سرورًا.
وعن ابن جريج، قال: من لم يتعز عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سلا كما تسلو البهائم.
قال بعض السلف، وقد عزى مصابًا: إن صبرت فهي مصيبة واحدة، وإن لم تصبر فهما مصيبتان.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، عن ميمون بن مهران، قال عزى رجل عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - على ابنه عبد الملك، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكره.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، قال: مات ابن رجل، فحضره عمر بن عبد العزيز، فكان رجل حسن العزاء، فقال رجل من القوم: هذا والله الرضا، فقال عمر بن عبد العزيز: أو الصبر، قال سليمان: الصبر دون الرضا، الرضا: أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضيًا بأي ذلك كان، والصبر: أن يكون بعد نزول المصيبة فيصبر.
وذكر الحافظ بن عساكر: قال إبراهيم بن خالد: كتب محمدبن إدريس الشافعي إلى رجل من إخوانه من قريش، يعزيه بابن أصيب به: اعلم يا أخي، أن كل مصيبة لا يجبر صاحبها ثوابها فهي المصيبة العظمى، فكيف رضيت يا أخي بابنك فتنة، ولم ترض به نعمة؟ وكيف رضيت به مفارقًا، ولم ترضى به خالدًا؟ وكيف رضيته على التعريض من الفساد، ولم ترضى به على اليقين من الصلاح؟ بل كيف لك بمقت منعم ولم تعرف له نعمة؟ يريك ماتحب، ويرى منك ما يكره؟ ارجع إلى الله ﷿، وتعز برسول الله ﷺ، وتمسك بدينك، والسلام.
وذكر أيضًا بإسناده قال: كتب رجل إلى أخ له يعزيه بابنه: أما بعد، فإن الله تعالى وهب لك موهبة، جعل عليك رزقه ومؤنته، وأن تخشى فتنته، فاشتد لذلك فرحك، فلما قبض موهبته وكفاك مؤنته، اشتد لذلك حزنك، أقسم بالله إن كنت تقيًا لهنئت على ما عزيت عليه، ولعزيت على ما هنئت عليه، فإذا أتاك
[ ١٢٩ ]
كتابي هذا فاصبر نفسك عن الأمر الذي لا صبر لك على عقباه، واصبر نفسك عن الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه، واعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها، فذلك الحزن الدائم، والسلام.
عن عبد الله بن صالح العجلي، قال: كتب ابن السماك إلى رجل يعزيه عن مولود له مات: أما بعد، فإن استطعت أن يكون شكرك حين قبضه الله ﷿ منك، أكثر منه حين وهبه لك، فافعل، فقد أحرز لك هبته حيث قبضه، ولو بقي لم تسلم من فتنته، أرأيت حزنك على فراقه، وتلهفك على ذهابه! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك، أما هو فقد خلص من الكدر وبقيت أنت معلقًا بالخطر، والمصيبة إن جزعت، فهي واحدة إن صبرت، ومصيبتان إن لم تصبر، فلا تجمع الأمرين على نفسك، والسلام.
وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه: أما بعد، فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة، فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنه، ولا تضيع ما عوضك الله من صلاته ورحمته.
وقال موسى بن المهدي لإبراهيم بن مسلم، وعزاه بابنه: أسرك وهو بلية وفتنة؟ وأحزنك وهو صلوات ورحمة؟ !
وقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه دفن ابنًا له فضحك عند قبره، فقيل له: أتضحك عند قبر؟ ! قال: أردت أن أرغم الشيطان.
ومات للحافظ بن عساكر ولد لم يحتلم - وكان ولدًا حسنًا - قال الحافظ: فحمدت الله، ولم أظهر لموته جزعًا ولا قلقًا، ولم أحالف لذهابه هلعًا ولا أرقًا، ولم أترك لحزنه مجلس التحديث، ولم أمتنع لأجله من الانبساط والحديث، وما كان ذلك إلا بتوفيق الله وإعانته، وحسن عصمته من الجزع وصيانته، فله الحمد إذ لم يحبط أجري فيه بجزعي، ولم يذهب صبري عنه بهلعي، لأن المحروم من حرم عظيم الثواب، والملوم من جزع لأليم المصاب.
وأعجب من تصبري: لما عزاني بعض إخواني، حضني على الصبر، وقال لي: مررت بك يوم ثانية، وأنت
[ ١٣٠ ]
تحدث الجماعة، فتعجبت من انشراح صدرك للتحديث تلك الساعة، فقلت له: إن الجزع لا يرد فائتًا ولا ذاهبًا، والحزن لا يرجع هالكًا ولا عاطبًا، والبكاء لا يجدي صرفًا لمسلم ولا نفعًا، والقلق لا يفيد دركًا لخطب ولا دفعًا، والاحتيال لايوجب لهالك ضرًا ولا نفعًا وإذا كان الأمر بهذه الصفة، والحال هكذا عند أهل المعرفة، فالصبر أحرى بذوي الحجى، وأليق بأولي الدين والنهى.
[ ١٣١ ]