بسم الله الرحمن الرحيم
وبه التوفيق١
الحمد لله ذي الجود والعلاء، على ما أولانا من النعماء، في السراء والضراء، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والأصفياء،. وعلى آله وأصحابه سرج الإقتداء والاهتداء، أما بعد:
فيقول أضعف عبيد ربه القوي الباري، على بن سلطان محمد الهروي القاري، عامله الله بلطفه الخفي، وكرمه الوفي:
إن الله سبحانه عز شأنه، وجل برهانه، جعل البلاء، ثمرة الولاء لأهلي الاصطفاء، ولهذا ورد: "أشد الناس بلاءا الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل - أي الأفضل فالأفضل من الأولياء٢ - يبتلى الرجل على حسب دينه-
_________________
(١) ١ في (ب) (رب زدني علما يا كريم) . ٢ وقال ابن الأثير: أي الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى، في الرتبة والمنزلة، يقال: هذا أمثل من هذا: أن أفضل وأدنى إلى الخير، وأماثل الناس: خيارهم. النهاية ٤/٢٩٦، وانظر فتح الباري ١٠/١١١، فضل الله الصمد ١/٦٠١-٦٠٢، فيض القدير للمناوي ١/٥١٨.
[ ١٩ ]
أي قدر قوة يقينه١ - فإن كان في دينه صلبًا٢، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة٣ ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء٤ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة٥ ".
رواه أحمد٦، والبخاري٧، والترمذي٨، وابن ماجة٩، عن
_________________
(١) ١ فيض القدير١/٥١٩. ٢ قويا. ٣ ضعف ولين. ٤ في (أ): البلايا. ٥ هذا: كناية عن سلامته من الذنوب، وخلاصه منها، كأنه كان محبوسا فأطلق وخلي سبيله، فهو يمش على الأرض وما عليه بأس، ومن ظن أن شدة البلاء هوان بالعبد، فقد ذهب لبه، وعمي قلبه، فقد ابتلي من الأكابر ما لا يحصى، فقد قتل الخلفاء الراشدون الثلاثة، والحسين بن علي،. وابن الزبير، وسعيد بن جبير، وضرب أبو حنيفة، وحبس، وجرد مالك وضرب بالسياط، وضرب أحمد حتى أغمي عليه - إلى غير ذلك مما يطول ذكره. وانظر: فيض القدير ١/٥١٩، سير أعلام النبلاء٣/٣٦٣،٢٨٠،٤/٣٢١، ٦/٣٩٠،٧/٢٢٩،٨/٤٨،١١/١٧٧، الإصابة ٢/ ٤٦٢،٥٠٧، ٥١٨. ٦ مسند أحمد١/١٨٥. ٧ لم يروه الإمام البخاري ﵀، وإنما وضع ترجمة لباب بمعنى هذا الحديث، فقال في كتاب المرضى ٤/٣: باب أشد الناس بلاغ الأنبياء، ثم لأمثل فلأمثل. ٨ الترمذي/ أبواب الزهد/ باب الصبر على البلاء٤/٢٨، ر. قم (٢٥٠٩)، واللفظ له، وقال حديث حسن صحيح. ٩ ابن ماجه، كتاب الفتن/ باب الصبر على البلاء٢/١٣٣٤، رقم (٤٠٢٣)
[ ٢٠ ]
سعد١ بن أبي وقاص٢.
وروى البخاري في تاريخه٣، عن بعض أزواج النبي ﷺ: " أشد٤ الناس بلاءا في الدنيا نبي أو صفي٥ ".
وفي رواية للحاكم٦، وغيره٧، عن أبي سعيد - رضي الله
_________________
(١) ١ في (أ): سعيد. ٢ ورواه بالإضافة إلى من ذكرهم المصنفة: ابن أبى شيبة/ كتاب الجنائز٢/٤٤٣، رقم (١٠٨٢٨)، والدارمى/ كتاب الرقائق/ باب أشد الناس بلاء٢/٢٢٨، رقم (٢٧٨٦)، والنسائي/ كتاب الطب٤/٣٥٢، رقم (٧٤٨١)، والبغوي في شرح السنة/ كتاب الجنائز/ باب شدة المرض٥/٢٤٤، رقم (١٤٣٤)، وابن حبان في صحيحه/ كتاب الجنائز٧/١٦١ رقم (٢٩٠١) والحاكم في المستدرك/ كتاب الإيمان١/٤٠ وصححه) والبيهقي في السنن الكبرى/ كتاب الجنائز٣/٣٧٢، وفي شعب الإيمان/ باب الصبر على المصائب٧/١٤٢ رقم (٩٧٧٥)، والمحاملي في أماليه ١٧٩ رقم (١٥١) . ٣ التاريخ الكبير٨/١١٥، رقم (٢٤٠٠) . ٤ أشد: أسقطت من (أ) . ٥ قال جماعة من العلماء: والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاغ ثم لأمثل فلأمثل؟ أنهم معصومون؟ بكمال الصبر وصحة الاحتساب، والأنبياء معصومون من الخطايا فتعلن الثواب. والله اعلم. وانظر: تسلية أهل المصائب لأبى عبد الله الحنبلي ص ١٧٢. ٦ الحاكم في المستدرك/ كتاب الايمان ١/ ٤٠، وكتاب الرقاق٤/٣٠٧، وصححه، ووافقه الذهبي. ٧ رواه أيضا: أحمد في المسند٣/٩٤، وابن ماجه في كتاب الفتن اباب الصبر على البلاء٢/١٣٣٤، رقم (٠٢٤ ٤)، وقال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو يعلى في مسنده٢/٣١٢، رقم (١٠٤٥)، والبخاري في الأدب المفرد ١/ ٦٠١، رقم (٥١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى/ كتاب الجنائز٣/٣٧٢، وفي شعب الإيمان/ باب الصبر على المصائب٧/١٤٢، رقم (٩٧٧٤) .
[ ٢١ ]
عنه- "ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء". وروى أحمد١ وغيره٢، عن رجل من بني سليم٣ مرفوعا: "إن الله تعالى يبتلي العبد فيما أعطاه، فإن رضي بما قسم الله له بورك له، ووسعه الله، وإن لم يرضى لم يبارك له، ولم يزد على ما كتب له". وفي الحديث القدسي، والكلام الإنسي: "من لم يرضى بقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر على نعمائي، فليلتمس ربا سواي"٤.
_________________
(١) ١ مسند أحمد٥/٢٤. ٢ رواه أيضا: ابن أبي الدنيا في كتابه: الرضا عن الله بقضائه ص ٨٢ رقم (٥٤)، وأبو نعيم في الحلية٢/٢١٣، والبيهقي في الشعب/ باب الصبر على المصائب٧/١٢٥-١٢٦، رقم (٩٧٢٥) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٢٥٧، ورجاله رجال الصحيح، ورمز له السيوطي في: الجامع الصغير١/٧٤ بالصحة. ٣ جهالة الصحابي الراوي لا تقدح في صحة الحديث، إذ أن الصحابة عدول كلهم. قال ابن كثير - ﵀ - في كتابه: اختصار علوم الحديث ص ١٨١: والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأرواح والأموال بين يدي رسول الله - ﷺ - رغبة فيما عند الله - ﷿- من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل. ٤ الحديث ورد من طريق أبى هند الداري. رواه الطبراني في الكبير٢٢/٣٢٠، رقم (٨٠٧)، وابن حبان في كتاب المجروحين١/٣٢٧، والديلمي في مسند الفردوس٣/١٦٩، رقم (٤٤٤٩) . قال الهيثمى في مجمع الزوائد ٧/٢٠٧: فيه سعيد بن زياد بن هند، وهو متروك، ورمز له السيوطي في الجامع الصغير٢/٨١ بالضعف، وضعفه الحافظ ابن حجر، انظر: الإصابة ٤/٢١٢، كما أورده المصنف في كتابه الأحاديث القدسية ٣٨، وضعف إسناده.
[ ٢٢ ]
وروى الإمام أبو حنيفة١، عن حماد٢، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود٣، عن عائشة - ﵂ - عن رسول الله – ﷺ - أنه قال: "إن الله يكتب٤ للإنسان الدرجة العليا في الجنة ولا يكون له من العمل ما يبلغهما، فلا يزال يبتليه حتى يبلغهما" ٥. وقد ورد عنه - ﵊ - أنه قال: "إن الله ليبتلي المؤمن، وما يبتليه إلا لكرامته عليه" ٦.
_________________
(١) ١ مسند أبي حنيفة ص ١٤- ١٥. ٢ هو حماد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة، أبو إسماعيل الكوفي، عداده في صغار التابعين، مات سنة ١٢٠هـ. ٣ الأسود بن يزيد بن قيس، أبو عمرو النخعي، أحد أجلاء التابعين، كان مخضرما، أدرك الجاهلية والإسلام، وثقه جمع من العلماء، مات سنة ٧٥ هـ. ٤ في المسند: ليكتب. ٥ ورد هذا الحديث من طريق أبي هريرة - ﵁ - مرفوعا بلفظ: "إن الرجل لتكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها". أخرجه ابن حبان في صحيحه/ كتاب الجنائز ٧/١٦٩، رقم (١٩٠٨)، واللفظ له، وأبو يعلى في مسنده ١٠/٤٨٢، رقم (٦٠٩٥)، والحاكم في كتاب الجنائز ١/٣٤٤، وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان ٧/١٦٤، رقم (٩٨٥٥)، وأورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية٢/٣٣٩، رقم (٢٤٢٠) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/٢٩٢: رجاله ثقات. ٦ ورد من طريق أبى فاطمة الضمرى ﵁، رواه البخاري في التاريخ الكبير ٧/٢٦٦، رقم (١١٢٩)، والطبراني في الكبير ٢٢/٣٢٣، رقم (٨١٣)، والبيهقي في الشعب ٧/١٦٤، رقم (٩٨٥٦)، (٩٨٥٧)، وابن عدى في الكامل٦/٢٢٠٣-٢٢٠٤، وأورده الحافظ في الاصابة ٤/١٥٤. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/٢٩٣: وفيه محمد ابن أبي حميد، وهو ضعيف. ورمز له السيوطي بالضعف. الجامع الصغير ١/٧٢.
[ ٢٣ ]
ثم الابتلاء قد يكون بالسراء، وقد يكون بالضراء١، كما قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ ٢ أي امتحانا في محنة ومنحة٣.
وغالبا يكون بالضراء٤، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصا برين﴾ ٥.
ومن جملة نقص الأنفس فقد النظر عن البصر، فإنه من أنفس الأعضاء.
وأشرف الأجزاء، فيكون الابتلاء به من أشد أنواع البلاء، والصبر
_________________
(١) ١ تفسير الماوردي (النكت والعيون) ٣/٤٤٦-٤٤٧، معالم التنزيل للبغوي ٥/٣١٨، زاد المسير لابن الجوزي ٥/٣٥٠، الجامع للقرطبي ١١/٢٨٧، الدر المنثور ٤/٥٧٢، فتح القدير ٣/٤٠٦. ٢ الآية ٣٥ من سورة الأنبياء. ٣ روى الامام الطبري في تفسيره٩/٢٦، بسنده عن ابن عباس﵄- أنه قال: قوله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير﴾ يقول: نبتليكم بالشدة والرخاء، والسقم والصحة، والفقر والغنى، الحرام والحلال، والمعصية والطاعة، والضلالة والهدى. وروى بإسناده أيضا عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال، قوله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ قال: بالشدة والرخاء، وكلاهما بلاء. ٤ جامع البيان للطبري ٢/٤٤-٤٥، النكت والعيون للماوردي ١/٢٠٩-٢١٠، معالم التنزيل ١/١٦٩، زاد المسير ١/١٦٢، الجامع للقرطبى ٢/١٧٤، الدر المنثور ١/٢٨٥، فتح القدير ١/١٥٩. ٥ الآية ١٥٥ من سورة البقرة.
[ ٢٤ ]
عليه من أعظم أصناف. النعماء، كما ابتلى الله بعض الأنبياء والأصفياء، منهم يعقوب، وشعيب، عليهما السلام١.
_________________
(١) ١ قال، الصفدي في كتابه "نكت الهميان"ص ٤٢: "قال حذاق الأصوليين: إن العمى لا يجوز على الأنبياء، لأن مقام النبوة أشرف من ذلك، ومنعوا من عمى شعيب لإسحاق، وقالوا: لم يرد بذلك نص في القرآن العظيم، ليكون العلم بذلك قطعيا. وأورد عليهم قوله تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾، وقوله تعالى: ﴿فارتد بصيرا﴾، وبياض العين لا يكون إلا بذهاب السواد، ومتى فقد السواد حصل العمى، والارتداد لا يكون إلا عودا إلى الحالة الأولى، والحالة الأولى كان فيها بصيرا، فدل على أن الحالة التي ارتد عنها كان فيها أعمى". وأجاب المانعون: بأن قوله تعالى: ﴿وابيضت عيناه﴾ كناية عن غلبة البكاء، وامتلاء العين بالدموع، وقوله تعالى: ﴿فارتد بصيرا﴾ ذهب جماعة من المفسرين إلى أنه كان قد عمي بالكلية، وقالت جماعة: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان، فلما ألقوا القميص، وبشروه بحياة يوسف - ﵇ - عظم فرحه، وانشرح صدره، وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي ضوء بصره، وزال النقصان عنه". وقال الآلوسى في تفسيره،] روح المعاني ١٢/١٢٣ [: " قوله تعالى: ﴿وإنا لنراك فينا ضعيفا﴾ الآية (٩١ من سورة هود) أي لا قوة لك ولا قدرة على شيء من الضر والنفع، والإيقاع والدفع، وروى عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والثوري، وأبي صالح تفسير الضعيف بالأعمى، وهى لغة أهل اليمن، وذلك كما يطلقون عليه ضريرا، وهو من باب الكناية على ما نص عليه البعض، وإطلاق البصير عليه كما هو شائع من باب الاستعارة تمليحا. وضعف هذا التفسير بأن التقييد بقولهم: (فينا) يصير لغوا، لأن من كان أعمى، يكون أعمى فيهم، وفي غيرهم، وإرادة لازمه وهي الضعف بين من ينصره ويعاديه لا يخفى تكلفه. إلى أن قال: والمصحح عند أهل السنة أن الأنبياء - ﵈ - ليس فيهم أعمى، وما حكاه الله تعالى عن يعقوب - ﵇ - كان أمرا عارضا وذهب، والأخبار المروية عمن ذكرنا في شعيب - ﵇ - أي من كونه أعمى - لم نقف على تصحيح لها سوى ما روي عن ابن عباس - ﵄ - فإن الحاكم صحح بعض طرقه، لكن تصحيح الحاكم كتضعيف ابن الجوزي كما غير معول عليها. وقال ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير" ١٢/١٤٩، عند كلامه على قوله تعالى: ﴿وإنا لنراك فينا ضعيفا﴾ قال: ومن فساد التفاسير تفسير الضعيف بفاقد البصر، وأنه لغة حميرية، فركبوا منه أن شعيبا - ﵇ - كان أعمى، وتطرقوا من ذلك إلى فرض مسألة جواز العمى على الأنبياء، وهو بناء على أوهام، ولم يعرف من الأثر ولا من كنب الأولين ما فيه أن شعيبا - ﵇ - كان أعمى. والله تعالى أعلم. وانظر في هذا: جامع البيان ٧/٢٧٤،١٠٣، النكت والعيون ٢/٤٩٩،٣/٧٠، معالم التنزيل ٤/٢٦٧،١٩٧، زاد المسير ٤/٢٧٠،١٥٢، الجامع للقرطبي ٩/٢٤٨،٩١، الدر المنثور ٣/٦٢٩،٤/٥٦، فتح القدير٢/٥٢٠،٣/٤٨.
[ ٢٥ ]
ومنهم: عبد الله بن عباس١، وابن عمر٢، وابن أم مكتوم٣
_________________
(١) ١ عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، القرشي، حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، الصحابي الجليل، كان وسيما، جميلا، مديد القامة، مهيبا، كامل العقل، ذكي النفس، قال عنه طاووس بن كيسان: ما رأيت أحدا أشد تعظيما لحرمات الله من ابن عباس. وقد ابتلى بالعمى في آخر حياته، وقال في ذلك أبياتا ذكرها المصنف ص ٣٢، ومات سنة ٧٨ هـ بالطائف. ترجمته في: أسد الغابة ٣/١٩٠، وفيات الأعيان ٣/٦٢، سير أعلام النبلاء ٣/٣٣١، نكت الهميان ١٨٠. ٢ عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، من كبار فقهاء الصحابة، أسلم صغيرا، وهاجر إلى المدينة، كان من أهل الورع والعلم، كثير الاتباع لآثار رسول الله ﷺ، شديد التحري والاحتياط والتوقي في فتواه، وكف بصره في آخر حياته، مات بمكة المكرمة سنة ٧٣ هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ١٧١/١، الإصابة ٣٤٧/٢، نكت الهميان ١٨٣، الأعلام ٤/ ١٠٨. ٣ ابن أم مكتوم، اختلف في اسمه، فيقال: اسمه: عبد الله بن قيس القرشي، ويقال: عمرو ابن أم مكتوم، وعمرو أكثر، كما قاله الحافظ بن حجر، واتفقوا على نسبه، أنه ابن قيس بن زائدة، وأمه أم مكتوم، اسمها عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وكان ضريرا، من المهاجرين الأولين، قدم المدينة قبل مهاجر النبي ﷺ، استشهد في معركة القادسية، وقيل بل رجع إلى المدينة بعد القادسية فمات بها، وكان ذلك سنة ١٥هـ، وسيأتى زيادة في ترجمته. انظر ص ٦٢ من هذا الكتاب. ترجمته في: حلية الأولياء٢/٤، سير أعلام النبلاء ١/٣٦٠، الإصابه ٢/٥٢٣، نكت الهميان ٢٢١.
[ ٢٧ ]
﵃ وطائفة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم١.
ومنهم: جماعة من العلماء العظماء والمشايخ الكرام، يطول بذكرهم الكلام٢، وفي هذا تسلية عظيمة لمن فاته هذا المرام.
وقد ورد عنه ﵇ أحاديث تدل على عظمة هذا المقام.
منها:
حديث: "إن الله تعالى أوحى أن من سلبت كريمتيه، أثبته عليهما الجنة". رواه البيهقي٣ عن عائشة ﵂.
ومنها: حديث، قال الله تعالى: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ٤ - يريد عينيه٥ - ثم صبر٦، غوضته منهما الجنة٧ ". رواه
_________________
(١) ١ أورد الصفدي في كتابه "نكت الهميان في نكت العميان"، أسماء مائتين وسبعة وستين علما من الأعلام الذين أصيبوا بالعمى، فراجعه إن شئت ٢ أورد الصفدي في كتابه "نكت الهميان في نكت العميان"، أسماء مائتين وسبعة وستين علما من الأعلام الذين أصيبوا بالعمى، فراجعه إن شئت ٣ انظر شعب الإيمان/ باب الصبر على المصائب ٧/١٩١-١٩٣. ٤ المراد بالحبيبتين: المحبوبتان، لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه، لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسر به، أو شر فيجتنبه. فتح الباري ١٠/١١٦. ٥ جاء هذا التفسير عند البخاري في آخر الحديث، ولم يذكر من فسرهما. ٦ قوله في الحديث (ثم صبر) المراد: أنه يصبر مستحضرا ما وعد الله به الصابر من الثواب، لا أن يصبر مجردا عن ذلك، لأن الأعمال بالنيات، وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع مكروه، أو لكفارة ذنوب، أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك بالرضا، تم له المراد، وإلا يصير، كما جاء في حديث سلمان ﵁ "إن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتبا، وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله، ثم أرسلوه فلا يدرى لم عقل ولم أرسل". أخرجه البخاري موقوفا في الأدب المفرد ١/٥٨٣، رقم (٤٩٣)، وانظر: فتح الباري ١٠/١١٦. ٧ قال الحافظ في فتح الباري ١٠/١١٦: وهذا أعظم العوض، لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها، وهو شامل لكل من وقع له ذلك بالشرط المذكور. انتهى
[ ٢٨ ]
أحمد١، والبخاري٢، عن أنس رضي الله عنه٣.
ومنها: حديث، قال الله تعالى: "إذا سلبت من عبدي كريمتيه، وهو بهما ضنين - أي بخيل٤ - لم أرض له بهما ثوابا دون الجنة إذا حمدني عليهما" رواه الطبراني٥، وأبو نعيم في الحلية٦ عن العرباض٧.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٣/٢٨٣. ٢ في صحيحه/ كتاب المرضى/ باب فضل من ذهب بصره ٤/٣-٤. ٣ وسبب الحديث ما روي عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: أتى جبريل رسول الله ﷺ، وعنده ابن أم مكتوم، فقال: متى ذهب بصرك؟ قال: وأنا غلام. فقال: قال الله ﵎.. وذكر الحديث. أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/١٥٦، والبيهقي في الشعب ٧/١٩٣، رقم (٩٩٦٣)، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ١/٣٦٢ الهيثمي في مجمع البحرين ٢/٣٤٨، رقم (١١٧٤) . وانظر: كشف الخفاء ١/٧٤-٧٥، البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف ١/١١٧، فيض القدير ٤/٤٨٨. ٤ ومنه قوله تعالى: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ الآية ٢٤ من سورة التكوير. أي ما هو بمتهم بل هو ثقة فيما يؤدي صت الله ﷾، وقيل: ﴿بضنين﴾ ببخيل، أي لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التبليغ. وانظر: الجامع للقرطبي ١٩/٢٤٢، اللسان ١٣/ ٢٦١، فتح القدير ٥/٣٩٢. ٥ المعجبم الكبير للطبرانى ١٨/٢٥٤، رقم (٦٣٣)، (٦٣٤)، (٦٤٣) . ٦ حلية الاولياء٦/١٠٣، في ترجمة حبيب بن عبيد رضي الله تعالى عنه. ٧ والحديث رواه أيضا: ابن حبان في كتاب الجنائز ٧/١٩٤، رقم (٢٩٣١)، واللفظ له، والبخاري في التاريخ الكبير ٤/٤١٢-٤١٣. والبزار ١/٣٣٨، رقم (٥٣٨) مختصر زوائد البزار، لابن حجر، وقال البزار: لا نعلمه عن العرباض بأحسن من هذا الإسناد. ونقل الحافظ في الفتح ١٠/١١٦، تصحيح ابن حبان له.
[ ٢٩ ]
ومنها: حديث، قال الله تعالى: "إذا وجهت لعبد من عبيدي مصيبة في بدنه، أو في ولده، أو في ماله، فاستقبله بصبر جميل، استحييت يوم القيامة أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا" رواه الحكيم١ الترمذي٢، عن أنس رضي الله عنه٣.
ومنها "ليس الأعمى من عمي بصره، الأعمى من عميت بصيرته" رواه البيهقي في الشعب٤، والحكيم الترمذي٥ من حديث عبد الله
_________________
(١) ١ هو الإمام، الحافظ، الزاهد، أبو عبد الله، محمد بن على، الحكيم الترمذي، له كتاب (نوادر الأصول في أحاديث الرسول ط.) قال الذهبي: وله حكم ومواعظ، لولا هفوة بدت منه، مات سنة ٣٢٠ هـ. انظر في ترجمته: حلية الأولياء١٠/٢٣٣، سير أعلام النبلاء ١٣/٤٣٩، الأعلام ٦/ ٢٧٢. ٢ نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول: ص ٢٢٢. ٣ ورواه أيضا: ابن عدي في الكامل ٧/٢٦٠٧ والديلمي في مسند الفردوس ٣/١٧٢ رقم (٤٤٥٩)، والشهاب في مسنده ٢/٣٣٠، رقم (١٤٦٢)، ورمز له السيوطي بالضعف: الجامع الصغير ١/٨٣، وذكره في كنابه اللآلىء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ٢/ ٤٠١. وانظر: الأحاديث القدسية للمناوي ٣٢، وتسلية أهل المصائب لأبي عبد الله الحنبلي ٧٩. ٤ شعب الإيمان/ باب التوكل والتسليم ٢/١٢٦-١٢٧، رقم (١٣٧٢) . ٥ نوادر الأصول للحكيم الترمذي ص ٥٢. ورواه أيضا: الديلمي في مسند الفردوس ٣/٤٠٣، رقم (٥٢٢٧)، ورمز له السيوطي في الجامع الصغير ٣/١٣٤ بالضعف. وانظر: كشف الخفاء ٢/١٦٧، تمييز الطب من الخبيث١٥٥.
[ ٣٠ ]
ابن١ جراد، ويشهد له قوله تعالى٢ ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ ٣.
_________________
(١) ١ روى هذا الحديث عن عبد الله بن جراد، يعلى بن الأشدق، وقد قال ابن أبى حاتم: عبد الله بن جراد: لا يعرف، ولا يصح هذا الإسناد، ويعلى بن الأشدق ضعيف الحديث، وقال الذهبي: مجهول لا يصح خبره، لأنه من رواية يعلى بن الأشدق الكذاب عنه، وقال ابن عدي: يروي عن عمه عبد الله بن جراد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمه غير معروفين. وانظر: الجرح والتعديل ٥/٢١، الكامل لأبن عدي ٧/٢٧٤٢، ميزان الاعتدال ٢/ ٤٠٠. ٢ جامع البيان للطري ٩/١٧١، معالم التنزيل ٥/٣٩١، زاد المسير ٥/٤٣٩، الدر المنثور ٤/٦٥٨، فتح القدير ٣/٤٦٠. ٣ الآية ٤٦ من سورة الحج. قال الماوردي في تفسيره (النكت والعيون) ٤/٣٢: يحتمل عندي وجهين: أحدهما: أنها لا تعمى الأبصار عن الهدى، ولكن تعمى القلوب عن الاهتداء. الثاني: أنها لا تعمى الأبصار عن الاعتبار، ولكن تعمى القلوب عن الإدِّكار. وقال: قال مجاهد: لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته، فإن عميت عينا رأسه، وأبصرت عينا قلبه لم يضره عماه شيئا وإن أبصرت عينا رأسه، وعميت عينا قلبه، لم ينفعه نظره شيئا. انتهى. ومن أجمل ما قرأته في هذا المعنى، قول ابن صارة الأندلسي الشاعر المشهور المتوفى سنة ٥١٧ هـ: يا من يصيخ إلى داعي الشقاء وقد نادى به الناعيان: الشيب والكبر إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ثوى في رأسك الواعيان: السمع والبصر ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان: العين والأثر لا الدهر يبقى، ولا الدنيا، ولا الفلك الـ أعلى، ولا النيران: الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا وإن كرها فراقها الثاويان: البدو والحضر
[ ٣١ ]
ولابن عباس رضي الله تعالى عنهما١:
قلب المحب بنور الله معمور ففي فؤادي وقلبي منهما نور
وغيره بظلام الجهل مغمور كل المصائب دون النار عافية
إن يأخذ الله من عيني نورهما كل النعيم سوى الفردوس محقور
ومنها: "لن يبتلى عبد بشيء أشد [عليه من الشرك بالله] ٢، ولن يبتلى عبد بشيء بعد الشرك بالله أشد عليه من ذهاب بصره، ولن يبتلى عبد بذهاب بصره فيصبر إلا غفر له" رواه البزار٣ عن بريدة٤ ﵁.
ومنها: "ما أصيب عبد بعد ذهاب دينه بأشد من ذهاب بصره،
_________________
(١) ١ لم أقف سوى على البيت الثاني، وأورد بعضهم بعده قوله: قلبي ذكي وعقلي غير ذي ذخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور وانظر البيتين في: الاستيعاب ٢/٣٥٦، أسد الغابة ٣/ ١٩٠، سير أعلام النبلاء ٣/٣٥٧، البداية والنهاية ٨/٣٠٨. ٢ في النسختين [أشد من الشرك]، والمثبت من زوائد البزار. ٣ البزار ١/٣٣٧، رقم (٥٣٦)] مختصر زوائد البزار لابن حجر [،، وقال الهيثمي في المجمع ٢/٣٠٨: رواه البزار، وفيه جابر الجعفي، وفيه كلام كثير وقد وثق. قلت: قال النسائي: متروك الحديث، وتال شعبة: جابر صدوق في الحديث، وقال بن معين؟ لا يكتب حديثه، ووثقه وكيع والثوري. وانظر: تهذيب الكمال ٤/٤٦٥، الكامل لابن عدى ٢/٥٣٧، ميزان الاعتدال ١/٣٧٩. ٤ هو: بريدة بن الحصيب الأسلمي، صحابي أسلم عام الهجرة. مات سنة ٦٢ هـ.
[ ٣٢ ]
وما ذهب بصر عبد فصبر إلا دخل١ الجنة" رواه الخطيب٢ عن بريدة رضي الله عنه٣.
ومنها: حديث: إن الله تعالى يقول: "إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة" رواه الترمذي٤ عن أنس رضي الله عنه٥.
ومنها: "من ذهب بصره في الدنيا جعل الله له نورا يوم القيامة إن كان صالحا" رواه الطبراني في الأوسط٦، عن ابن مسعود رضي الله عنه٧.
ومنها: "عزيز على الله تعالى أن يأخذ كريمتي عبد مسلم، ثم
_________________
(١) ١ في (أ): أدخل. ٢ تاريخ بغداد للخطيب ١/٣٩٤. ٣ ورواه أيضا: المحاملي في أماليه ٣٦٣، رقم (٤١٠)، والديلمى في مسند الفردوس ٤/١٢٢، رقم (٦٣٧٧)، ورمز له السيوطي في الجامع ٢/١٤٣ بالضعف، وضعفه المناوي في فيض القدير ٥/٤٢٣. ٤ الترمذي/ أبواب الزهد/ باب ما جاء في ذهاب البصر ٤/٢٨، رقم (٢٥١١)، وقال: هذا حديث حسن غريب. ٥ ورواه أيضا: البيهقي في شعب الإيمان ٧/١٩٢، رقم (٩٩٥٩)، الترغيب والترهيب ٤/٣٠١. ٦ المعجم الأوسط للطبراني ٢/١٢٧، رقم (١٢٤٢) . ٧ ورواه ابن عدي في الكامل ٢/٤٤٦، وقال: هذا حديث باطل، والهيثمي في مجمع البحرين في زوائد المعجمين ٢/٣٥١، رقم (١١٨٠)، وقال في مجمع الزوائد ٢/ ٣١٠: فيه بشر بن إبراهيم الأنصاري وهو ضعيف.
[ ٣٣ ]
يدخله النار" ١ روي عن عائشة بنت قدامة٢.
ومنها: "ذهاب البصر مغفرة للذنوب، وذهاب السمع مغفرة للذنوب، وما نقص من الجسد فعلى قدر ذلك" رواه ابن عدي٣ والخطيب٤، عن ابن مسعود ﵁.
وفي هذا الحديث إيماء إلى أن البصر أفضل من السمع كما ذهب إليه بعض علمائنا٥.
_________________
(١) ١ الحديث. رواه أحمد في المسند ٦/٣٦٥، والطبراني في الكبير ٢٤/٣٤٣، رقم (٨٥٦)، والديلمى في مسند الفردوس ٣/٥٣، رقم (٤١٣٧)، وقال الهيثمي في المجمع ٢/٣٠٨: فيه عبد الرحمن بن عثمان الحاطبي، ضعفه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات. قلت: رمز له السيوطي بالحسن. وانظر: الترغيب والترهيب ٤/٣٠١، الجامع الصغير ٢/٦٠، فيض القدير ٥/٣١٥، بلوغ الأماني ١٩/١٣٦. ٢ عائشة بنت قدامة بن مظعون القرشيه الجمحية، صحابية جليلة، من المبايعات، عدادها في أهل مكة، تزوجها إبراهيم بن محمد بن حاطب. ترجمتها في: طبقات ابن سعد ٨/٣٤٢، أسد الغابة ٦/١٩٤، الإصابة ٢/٤٦٤، ٤/٣٦٢. ٣ الكامل لابن عدى ٣/٩٦٣، وتال: هذا منكر المتن والإسناد. ٤ تاريخ بغداد للخطيب ٢/١٥٢. ورواه أيضا: الديلمي في مسند الفردوس ٢/٢٤٦، رقم (٣١٦١)، والذهبي، في سير أعلام النبلاء ١٦/٢١٥، وقال: غريب جدا، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/٢٩٦. وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعة ٢/٣٥٢، وابن الجوزي في الموضوعات ٣/٢٠٤، والسيوطي في اللآلى المصنوعة ٢/٢٠٤. ٥ سيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله تعالى، انظر ص ٦١ من هذا الكتاب.
[ ٣٤ ]
وإشارة إلى أن فاقد عين واحدة من نظره، ومن ضعف بعض بصره، مثاب على قدر الابتلاء، وحينئذ فإن الأجر على قدر الصبر، وعلو الدرجة على قدر المشقة١.
وهنها حديث: يقول الله تعالى: "من أذهبت حبيبتيه فصبر، واحتسب، لم أرض له ثوابا دون الجنة"، رواه البيهقي٢ عن أبي هريرة ﵁.
ومنها حديث يقول الله تعالى: "يا ابن آدم إذا أخذت كريمتيك فصبرت، واحتسبت عند الصدمة الأولى٣، لم أرض لك ثوابا دون
_________________
(١) ١ فيض القدير ٣/٥٦٦. ٢ في شعب الإيمان/ باب الصبر على المصائب ٧/١٩٣ رقم (٩٩٦٥) . ورواه أيضا: أحمد في المسند ٢/٢٦٥، والترمذي في أبواب الزهد/ باب ما جاء في ذهاب البصر ٤/٢٨ رقم (٢٥١١) وتال: هذا حديث حسن صحيح، وهناد بن السري في كناب الزهد/ باب الصبر على البلاء ٢/٢٣١، رقم (٢٧٩٨)، والنسائى في كتاب التفسير ٦/٤٤٥، رقم (١١٤٤٦)، والدا رمي في كتاب الرقائق/ باب فيمن ذهب بصره ٢/ ٢٣١، رقم (٢٧٩٨)، وابن حبان/ كتاب الجنائز٧/١٩٥، رقم (٢٩٣٢)، والهيثمي في مجمع البحرين ٣٥٠/٢، رقم (١١٧٧) . ٣ قال الخطابي: يريد أن الصبر المحمود المأجور عليه صاحبه هو ما كان عند مفاجأة المصيبة، وهي الصدمة الأولى دون ما بعدها، فإنه إذا طالت الأيام عليها وقع السلو، وصار الصبر حينئذ طبعا فلم يكن للأجر موضع. ثم نقل عن البعض أنه قال: إن الإنسان لا يؤجر على شيء من المصائب التي تناله في نفسه من مرض أو موت حميم، ورزء مال، لأجل ذوات هذه الأمور، فإن جميع ذلك طبع وجبلة، ولا صنع للإنسان فيه، وقد يصيب الكافر مثل ما يصيب المسلم، إنما يؤجر الإنسان على نيته واحتسابه الأجر فيها، وتلقي الأمر في ذلك بالرضا وجميل الصبر. انتهى. انظر: أعلام الحديث للخطابي ١/٦٩٠، شرح السنة ٥/٤٤٨، فتح الباري ٣/١٤٩-١٥٠.
[ ٣٥ ]
الجنة" رواه أحمد١، وابن ماجة٢، أن أبي أمامه٣ ﵁.
ومنها: أن الله تعالى يقول: "يا ابن آدم إن أخذت منك كريمتيك، فصبرت، واحتسبت. عند الصدمة الأولى لم أرض لك ثوابا دون الجنة" رواه الطراني٤، وابن٥ السني٦، وابن٧ عساكر٨، عن أبي أمامة ﵁.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٥/٢٥٨-٢٥٩. ٢ ابن ماجه/ كتاب الجنائز/ باب ما جاء في الصبر على المصيبة ١/٥٠٩ رقم (١٥٩٧)، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. ورواه البخاري في الأدب المفرد/ باب العبادة ١/٦٣١، رقم (٥٣٥)، والديلمي في مسند الفردوس ٥/٢٣٣، رقم (٨٠٤٩)، وإسناده جيد، كما في بلوغ الأماني ١٩/١٣٦. ٣ أبو أمامة، صدي بن عجلان الباهلي،، أحد أجلاء الصحابة ﵃، مات سنة ٨١ هـ، وهو آخرهم موتا بالشام. ٤ المعجم الكبير للطبرانى ٨/٢٢٥، رقم (٧٧٨٨) . ٥ ابن السني، الحافظ، أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري، المشهور بابن السني، صاحب كتاب (عمل اليوم والليلة) مات سنة (٣٦٤ هـ) . ٦ عمل اليوم والليلة لابن السني ص ٢١٩٧، رقم (٦٢٩) . ٧ ابن عساكر، هو الحافظ، المؤرخ أبو القاسم على بن الحسن بن هبة الله الشافعي، المعروف بابن عساكر، صاحب كتاب"تاريخ دمشق" مات سنة ٥٧١ هـ. ٨ وعزاه لابن عساكر المتقى الهندي في: كنز العمال ٣/٢٧٨ رقم (٦٥٣٥)، ورواه أحمد في المسند ٥/٢٥٨. وقال الهيثمي في المجمع ٢/٣٠٨: فيه إسماعيل بن عياش وفيه كلام. وقال البنا في بلوغ الأماني ١٩/١٣٦: إسناده جيد.
[ ٣٦ ]
ومنها، حديث: "إن كان بصرك لما به١، ثم صبرت، واحتسبت، لتلقين الله ليس لك ذنب" رواه أحمد٢، والحاكم٣، عن أنس ﵁.
ومنها، حديث: قال الله عز وجلا: "لا أقبض٤ كريمتي عبدي، فصبر لحكمي، ويرضى لقضائي، فأرضى له ثوابا دون الجنة". رواه عبد٥ بن حميد٦، وابن عساكر٧ عن أنس ﵁.
ومنها، حديث يقول الله تعالى: "لا أذهب بصفيتي٨ عبدي، فأرضى له ثوابا دون الجنة"، رواه أبو نعيم في الحلية٩ عن أنس ﵁.
_________________
(١) ١ لما به: أي أصيب بسوء، بلوغ الأماني ١٩/١٣٥. ٢ مسند أحمد ٣/٥٥-١٥٦. ٣ المستدرك للحاكم ١/٣٤٢، مختصرا، وصححه، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في الشعب ٦/٥٣٦، رقم (٩١٩٢)، قال الهيثمي في المجمع ٢/٣٠٨: وفيه الجعفي، وفيه كلام كثير، وقد وئقه الثوري وشعبة، وانظر: بلوغ الأماني ١٩/١٣٦. ٤ في (أ): لا قبضت. ٥ هو عبد بن حميد بن نصر، أبو محمد، من حفاظ الحديث، قيل اسمه: عبد الحميد، وخفف، صاحب (المسند) . مات سنة ٢٤٩ هـ. ٦ مسند عبد بن حميد (المنتخب)، رقم (١٢٢٤)، ٧ وعزاه لابن عساكر، المتقى الهندي في كنز العمال ٣/٢٧٨، رقم (٦٥٣٩)، ورواه البيهقي في الشعب/ باب الصبر على المصائب ٧/١٩٢، رقم (٩٩٦٠) .٢٢٦) . ٨ صفيتاه: أي عيناه. ٩ حلية الأولياء ٩/٢٣٧، وقال غريب تفرد به زيد من حديث أبي غسان.
[ ٣٧ ]
ومنها، حديث: "يازيد لو أن عينيك لما بهما، وصبرت واحتسبت، لم يكن لك ثواب دون الجنة" رواه الطبراني١ عن زيد بن أرقم ﵁.
ومنها: "لا يذهب الله تعالى – بحبيبتي عبد، فيصبر، ويحتسب إلا أدخله الله الجنة" رواه ابن حبان٢ عن أبي هريرة ﵁.
ومنها: "لو كانت عيناك لما بهما فصبرت، واحتسبت لأوجب الله تعالى الجنة" رواه الطبراني٣ عن زيد بن أرقم ﵁، وفي رواية له عنه بلفظ٤: "لو كانت عيناك لما بهما إذا كنت تلقى الله بغير ذنب"، رواه عبد بن حميد٥، والبغوي٦، عنه أيضا ﵁.
ومنها، حديث: "قال ربكم ﷿: إذا قبضت كريمتي عبدي، وهو بهما ضنين٧، فحمدني على ذلك، لم أرضى له ثوابا دون الجنة" رواه الطبراني٨ عن أبي أمامة.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير للطبراني ٥/١٩٠، رقم (٥٠٥٢)، وانظر حديث ص٤٠ حاشية رقم١١٤. ٢ صحيح ابن حبان/كتاب الجنائز/باب الصبر وثواب الأمراض٧/١٩٥، رقم (٢٩٣٢)، وسبق تخريجه حديث رقم (٢) ص٣٥. ٣ المعجم الكبير للطبراني ٥/١٩٠، رقم (٥٠٥٢)، وانظر حديث ص٤٠ حاشية رقم (١١٤) . ٤المعجم الكبير للطبراني ٥/٢٠٤، رقم (٥٠٩٨)، وانظر حديث ص٤٠ حاشية رقم (١١٤) ٥ عزاه لهما: المتقي الهندي في: كنز العمال ٣/٢٨٠، رقم (٦٥٤٨) . ٦ عزاه لهما: المتقي الهندي في: كنز العمال ٣/٢٨٠، رقم (٦٥٤٨) . ٧ انظر حديث عن العرباض ﵁. ٨ المعجم الكبير للطبراني ٨/١٢٣، رقم (٧٥٠٤)، قال الهيثمي في المجمع ٢/٣١٠: وفيه السافر بن نسير، ذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه الدارقطني، وانظر: الجرح والتعديل ٤/ ٣٢٢، يزان الاعتدال ٢/ ١٦٤.
[ ٣٨ ]
ومنها: عن أنس - ﵁ - قال: "دخلت مع النبي - ﷺ - نعود زيد بن أرقم وهو يشتكي عينيه"، فقال "يازيد، أرأيت إن كان بصرك لما به"، قال: "أصبر وأحتسب"، فقال: "والذي نفسي بيده إن كان بصرك لما به، فصبرت، واحتسبت، لتلقين الله تعالى يوم القيامة ليس عليك ذنب" رواه أبو يعلى١، وابن عساكر٢.
ومنها، عن زيد بن أرقم - ﵁ - قال، رمدت عيني، فعادني٣ رسول الله – ﷺ - في الرمد، فقال: "يا زيد بن أرقم، إن كان عينك لما بها كيف فعلت"، فقلت: أصبر واحتسب، قال.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٢/٢٠٨،٢١٠. ٢ تاريخ دمشق لابن عساكر (التهذيب): ٥/٤٤٠، ورواه أحمد في المسند ١٥٥/٣، وابن الجعد في مسنده ٢/٨٤٤، رقم (٢٣٣٥)، قال الهيثمي في المجمع ٢/٣١٠: وفيه الجعفي، وفيه كلام كثير وقد وثقه الثوري وشعبه، وانظر: بلوغ الأماني ١٩/١٣٦، وحديث حاشية رقم (٧٤) . عن بريدة ﵁. ٣ قال ابن القيم - ﵀ - في زاد المعاد ١/٤٩٤: كان – ﷺ - يعود تن مرض من أصحابه، وعاد غلاما كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم اليهودي، ولم يسلم عمه، وكان يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله، فيقول: كيف تجدك؟ وكان يمسح بيده اليمنى على المريض، ويدعو له ثلاثا. ولم يكن من هديه - ﷺ - أن يخمن يوما من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتا من الأوقات، بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلا ونهارا، وفي سائر الأوقات، وكان يعود من الرمد وغيره، وكان أحيانا يضع يده على جبهة المريض، ثم يمسح صدره وبطنه.
[ ٣٩ ]
"يا زيد بن أرقم إن كان عينك لما بها ثم صبرت واحتسبت دخلت الجنة" رواه ابن عساكر١.
ومنها، عن زيد بن أرقم – ﵁ - أن النبي - ﷺ دخل عليه يعوده من مرض كان به، فقال: "ليس عليك٢ من مرضك هذا بأس، ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي، فعميت"، قال: إذا أحتسب وأصبر، قال: "إذا تدخل الجنة بغير حساب"، فعمى بعد ممات النبي ﷺ. رواه أبو يعلى٣ وابن عساكر٤.
ومنها، عن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: أصابني رمد
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق لاين عساكر ٥/٤٤٠ (التهذيب) . ورواه أحمد ٤/٣٧٥، والبخاركط في الأدب المفرد ١/٦٢٨، رقم (٥٣٢)، وأبو داود في كناب الجنائز ٣/٤٧٧، رقم (٣١٠٢)، والطبراني في الكبير ٥/١٩٠، رقم (٥٠٥٢)، والمحاملي في أماليه ٣١٥، رقم (٣٣٦)، والحاكم في المستدرك ١/٣٤٢، وصححه، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/٣٨١، وحسنه المنذري. وانظر: مختصر سنن أبى داود للمنذري ٤/٢٧٩، وفتح الباري ١٠/١١٣، وبلوغ الأماني١٩/١٣٦. (عليك): أسقطت من (أ) . ٣ لم أقف عليه. ٤ تاريخ دمشق لابن عساكر ٥/٤٤٠ التهذيب. ورواه الطبراني في الكبير ٥/ ٢١١، رقم (٥١٢٦)، والبيهقى في دلائل النبوة ٦/٤٧٩. قال الهيثمي في المجمع٢/٣٠٩: ونباته بنت بر-س بن حماد لم أجد من ذكرها. قلت: ذكر الحافظ المزي في تهذيب الكمال٣٥/١٣٨: بنانة بنت يزيد العبشمية.
[ ٤٠ ]
فعادني رسول الله ﷺ، فلما كان من الغد أفاق بعض الإفاقة، ثم خرج ولقيه النبي ﷺ، فقال: "أرأيت لو أن عينيك لما بهما ما كنت صانعا؟ "، قال: "كنت أصبر وأحتسب"، قال: " أما والله لو كانا عينيك لما بهما، ثم صبرت واحتسبت، ثم مت، لقيت الله تعالى ولا ذنب لك"، رواه البيهقى١.
ومنها، عن عكرمة، قال: مر عمر بن الخطاب - ﵁ - برجل مبتلى أجذم، أعمى، أصم، أبكم، فقال لمن معه: هل ترون في هذا من نعم الله تعالى شيئا، قالوا: لا، قال: بلى، ألا ترونه ييول فلا يعتصر٢، ولا يلتوي، يخرج به بوله سهلا، فهذه نعمة من الله تعالى. رواه عبد٣ بن حميد. ولا يخفى أنه ﷾ قال: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ٤، أي لا تطيقوا عدها بذكرها، فضلا عن القيام بشكرها٥.
_________________
(١) ١، في شعب الإيمان/ باب عيادة المريض ٦/٥٣٦، رقم (٩١٩١)، وقال: تابعه حجاج بن محمد عن يونس ابن أبي إسحاق. ٢ في النسختين أيقتصر. ٣ لم أقف عليه في [المنتخب]، من مسند عبد بن حميد، وقد أورده المتقى الهندي في كتابه: كنز العمال: ٣/٧٥١، رقم ٨٦٥٤ ٤ الآية ٣٤ من سورة إبراهيم، و١١٨ من سورة النحل. ٥جامع البيان ٧/٤٥٩، معالم التنزيل ٤/٣٥٤، زاد المسير ٤/٣٦٥، الجامع للقرطبي٩/٣٦٧. قال العلامة الشوكاني في فتح القدير ٣/١١٠ عند كلامه على هذه الآية: " قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ أي: وإن تتعرضوا لتعداد نعم الله التي أنعم بها عليكم إجمالا، فضلا عن التفصيل، لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه، ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال، وأصل الإحصاء: أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد، وضع حصاة ليحفظه بها، ومعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد، أن يحصي ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسمة من حواسه، لم يقدر على ذلك قط، ولا أمكنه أصلا، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلق الله في بدنه؟، فكيف بما عدا ذلك. من النعم الواصلة إليه في كل وقلب على تنوعها، واختلاف أجناسها؟، اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت، ومما علمناه، شكرا لا يحيط به حصر، ولا يحصره عد، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان، في كل زمان". انتهى، وقال﵀ - في موضع آخر من تفسيره ٣/١٥٤: "إن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل، وأيسر نقص، لتغص النعم على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، فهو سبحانه يدير بدن هذا الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك، فكيف يطيق حصر بعض نعم الله تعالى عليه؟، أو يقدر على إحصائها؟، أو يتمكن من شكر أدناها؟!. يا ربنا هذه نواصينا بيدك، خاضعة لعظيم نعمك، معترفة بالعجز عن بادية الشكر لشيء منها، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولا نطيق التعبير بالشكر لك، فتجاوز عنا، واغفر لنا، وأسبل ذيول سترك على عوراتنا، فإنك إن لا تفعل ذلك نهلك بمجرد التقصير في شكر نعمك، فكيف! بما قد فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك، والانتهاء عن مناهيك.
[ ٤١ ]
رقد ورد أنه - ﵇ - كان إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد الله الذي أذهب عني مايؤذيني، وأبقى علي ماينفعني" ١، فهما
_________________
(١) ١ورد هذا مرسلا عن طاورس عن النبي ﷺ: رواه ابن أبي شيبة في كتاب الطهارات/ باب ما يقول إذا خرج من المخرج ١/١٢، رقم (١٢)، والدارقطني في كتاب الطهارة ١/٥٧، رقم (١٢)، والبيهقي في السنن الكبرى/ كتاب الطهارة/ باب ما ورد في الأستنجاء بالتراب ١/١١١، وقال: رواه أحمد بن الحسن المضري، وهو كذاب متروك، عن أبي عاصم، عن زمعة، ورواه سفيان بن عيينة عن سلمة عن طاووس عن ابن عباس، ولا يصح وصله ولا رفعه. ورواه البيهقي أيضا في: المعرفة/ كتاب الطهارة/ باب الاستطابة ١/٣٣٥، رقم (٨١٣)
[ ٤٢ ]
نعمتان جليلتان قل من يعرف قدرهما، ويذكر شكرهما١، وإنما
_________________
(١) ١ قد صح عن النبي - ﷺ - من حديثا عائشة – ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ- إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" رواه أحمد في المسند ٦/١٥٥، وأبو داود (.١/٣٠، رقم (٣٠)، والترمذي ١/٧، رقم (٧)، وقال: حسن غريب، والنسائي ٦/ ٢٤، رقم (٩٩٠٧)، وابن ماجة ١/١١٠، رقم (٣٥٥)، وابن خزيمة، ١/٤٨، رقم (٩٠)، وابن حبان ٤/٢٩١، رقم (٤٤٤ ١)، والبغوي في شرح السنة ١/٣٧٩، رقم (١٨٨)، والحاكم ١/١٥٨، وصححه، وأقره الذهبي، وصححه النووي في المجموع ٢/٧٥. قال الإمام الخطابي - ﵀ - في معالم السنن ٢/٢٢: قيل في تأويل قوله ﷺ: "غفرانك" بعد خروجه من الخلاء، قولان: أحدهما: أنه قد استغفر من تركه ذكر الله تعالى مدة لبثه على الخلاء، وكانﷺ- لا يهجر ذكر الله تعالى - إلا عند الحاجة، فكأنه رأى هجران الذكر في تلك الحالة تقصيرا، وعده على نفسه ذنبا فتداركه بالاستغفار. الثاني: معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله - تعالى- بها عليه، فأطعمه، ثم هضمه، ثم سهل خروج الأذى منه، فرأى شكره قاصا على بلوغ حق هذه النعم ففزع إلى الاستغفار منه والله أعلم. وورد من طريق أنس وأبى ذر ﵄، أن النبي ﷺ - كان إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" روى حديث أنس بن ماجه في كتب الطهارة ١/١١٠، رقم (٣٠١)، وروى حديث أبي ذر ابن السني ص ١٤، رقم (٢٢) . قال العلامة الشوكانى﵀ - في نيل الأوطار ١/٧٣: وفي حمده - ﷺ - إشعار بأن هذه نعمة جليلة، ومنة جزيلة، فإن إنحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها، وحق على كل من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة، فسدا به جوعته، وحفظ به صحته وقوته، ثم لما قضى منه وطره، ولم لحق فيه نفع، واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة، خرج بسهولة، من مخرج معد لذلك أن يستكثر من محامد الله ﷻ، اللهم أوزعنا شكر نعمتك.
[ ٤٣ ]
يعرف العوام لذة ما يدخل في أجوافهم من الطعام، أولئك كالأنعام بل هم أضل في مقام الإحسان والإنعام. وفي الحديث: "إن في بدن ابن آدم ثلائمائة وستين مفصلا بعضها ساكن، وبعضها متحرك، فلو سكن متحرك، أو تحرك ساكن ضاقت عليه الدنيا" ١.
ومنها: "من ابتلي فصبر، وأعطى فشكر، وظلم فغفر، وظلم
_________________
(١) ١ لم أقف عليه، لكن ذكر ابن رجب - ﵀ - في جامع العلوم والحكم ٢٤٢ نحوه مختصرا. وقد قال وهب بن منبه - ﵀ -: عبد الله - ﷿ - عابد خمسين عاما، فأوحى الله - ﷿ - إليه، فد غفرت لك، قال: يا رب، وما تغفر لي، ولم أذنب؟، فأذن الله - ﷿ - لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم، ولم يصل، ثم سكن فنام، فأتاه ملك فشكا إليه، فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟، قال الملك: إن ربك﷿- يقول: إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق. رواه البيهقى في الشعب ٤/١٥١، رقم (٤٦٢٢)، وأبو نعيم في الحلية ٦٨/٤، وابن أبي الدنيا في كتاب الشكر ٧٠ رقم [١٤٨]،، وأورده ابن القيم في: عدة الصابرين ١٣٦، والسيوطي في الدر المنثور، ٤/١٥٩. وابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢٤٢.
[ ٤٤ ]
فاستغفر، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" رواه الطبراني١ والبيهقي٢ عن سخبرة٣.
ومنها: "عظم الأجر عند عظم المصيبة وإذا أحب الله قوما ابتلاهم"، رواه المحاملي٤ في أمالي له٥ عن أبي أيوب رضي الله عنه٦.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير للطبراني ١٧/٣٨، رقم (٦٦١٣) . ٢ الشعب للبيهقى/ باب تعديد نعم الله - ﷿ - وشكرها، ٤/١٠٤، رقم (٤٤٣١)، ومال إلى تضعيفه. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر ٧٧، رقم (١٦٧)، وأبو شيم في أخبار أصبهان ٢/٢٢٥، وأورده الهيثمي في المجمع ١٠/٢٨٤، وقال فيه أبو داود الأعمى وهو متروك وانظر: الجامع الصغير ٢/١٥٩، فيض القدير٦/٢٢. ٣ سخبرة، والد عبد الله بن سخبرة، بقال له صحبه، روى حديثه أبو داود الأعمى. انظر: الجرح والتعديل ٤/٣١٩، وأسد الغابة ٢/١٧٥-١٧٦، وتهذيب الكمال ١٠/٢٠٨-٢٠٩، وحاشيته. ٤هو أبو عبد الله، الحسين بن إسماعيل بن محمد، القاضي المحاملي، والمحاملي، بفتح الميم والحاء، وكسر الميم الثانيه واللام، نسبه إلى بيع المحامل التي يحمل الناس عليها إلى مكة. مات المحاملي سنة ٣٣٠ هـ ببغداد. ترجمته في: الأنساب للسمعاني ٥/٢٠٨، تاريخ بغداد ٨/١٩، سير أعلام النبلاء ١٥/٢٥٨، الأعلام ٢/٢٣٤. ٥الأمالي، جمع الإملاء، وهو: أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالأقلام والورق، فيتكلم العالم بما فتح الله ﷾ عليه من العلم، ويكتبه التلامذة، فيصير كتابا، ويسمونه الإملاء، والأمالي، وكذلك كان السلف من الفقهاء والمحدثين وأهل العربية وغيرها في، علومهم. وانظر: كشف الظنون ١/١٦١. ٦لم أقف عليه في: أمالي المحاملي، رواية ابن يحي البيع، التي بين يدي وقد عزاه للمحاملي السيوطي في الجامع الصغير ٢/٦٠ ورمز له بالضعف، وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢/٧٤٣، رقم (٤٠١٣)، وأورده المناوي في فيض القدير ٤/٣١٨، رقم (٥٤٣٧)، والمتقى الهندي في كنز العمال ٣/٢٩٨، رقم (٦٦٣٨) .
[ ٤٥ ]
ومنها: "يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض" ١.
ومنها: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط"، رواه
_________________
(١) ١ الحديث ورد من طريق جابر ﵁ رواه الترمذي في أبواب الزهد / باب ما جاء في ذهاب البصر ٤/٢٩، رقم (٢٥١٣) واللفظ له، وقال حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، والطبراني في الصغير ١١٠، رقم (٢٣٣) وقال: لم يروه عن الأعمش إلا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء، والخطب في تاريخ بغداد ٤/ ٤٠٠، ٦/١٥٦، والبيهقي في السنن الكبرى/ كتاب الجنائز ٣/٣٧٥، وفي شعب الإيمان/ باب الصبر على المصائب ٧/١٨٠، رقم (٩٩٢١)، والديلمي في الفردوس ٣/٤٤٢، رقم (٥٣٥٦)، والخليلى في الإرشاد ٢/٦٦٦رقم (١٩٠) وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ٣/٢٠٢، وقال: هذا حديث لا يصح، وقال السيوطي في اللآلي المصنوعة ٢/٤٠١: وصححه الضياء المقدسي فأخرجه في المختارة، وفى الجامع الصغير٢/١٤٠ أورده السيوطي ورمز له بالحسن؟ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:٢/٣٠٥: رواه الطبراني في الكبير، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الجامع ٢/٩٦٣، رقم (٥٤٨٤) . وانظر: الدر المنثور ٥/٦٠٦، فيض القدير ٥/٣٩٩، تهذيب التهذيب ٦/٢٧٤، كنز العمال ٣/٣٠٣.
[ ٤٦ ]
الترمذي١، وابن ماجه٢ عن أنس٣ ﵁.
ومنها: "ما من عبد ابتلي ببلية في الدنيا إلا بذنب، والله أكرم وأعظم عفوا من أن يسأله عن ذلك الذنب يوم القيامة" رواه االطبراني٤.
ومنها: "ليس بمؤمن مستكمل الإيمان من لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة"، رواه الطبراني٥ عن ابن عباس٦ ﵄.
_________________
(١) ١ الترمذي/ أبواب الزهد/ باب الصبر على البلاء٤/٢٧، رقم (٢٥٥٧)، والفظ له، وقال: حسن غريب. ٢ابن ماجة/ كتاب الفتن/ باب لصبر على البلاء ٢/١٣٣٨، رقم (٤٠٣١) . ٣ورواه البغوي في شرح السنة/ "كتاب الجنائز/ باب شدة المرض ٥/٢٤٥، رقم (١٤٣٥)، والديلمي في الفردوس ٣/٥٦ رقم (٤١٤٩)، والبيهقي في الشعب/ باب الصبر على المصائب ٧/١٤٤، رقم (٩٧٨٢)، وأبو يعلى ٧/٢٢٣، رقم (٤٢٢٢)، ٧/٢٤٧، رقم (٤٢٥٣)، والهيثمي في مجمع البحرين ٣٣٤/٢، رقم (١١٥١) . وقال الألباني في تعليقه على المشكاة ١/٤٩٣: إسناده حسن. وانظر: مجمع الزوائد ٢/ ٢٩١، التراب والترهيب ٤/٢٨٣، كنز العمال ٣/٣٣١، رقم (٢٦٨) . ٤ورد من طريق أبي موسى الأشعري ﵁، رواه الطبراني، ولم أقف عليه، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ٢/١٥١، ورمز له بالحسن، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ٧٥٠، رقم (٥١٩٤) . وانظر: فيض القدير ٥/٤٩٠، رقم (٨٠٧٦)، وكنز العمال ٣/٣٣٢، رقم (٦٨٠٦) . ٥ المعجم الكبير ١١/٣٢، رقم (١٠٩٤٩) . ٦ورواه الديلمي في الفردوس ٣/٤٠٧، رقم (٥٢٤١) . قال الهيثمي في المجمع ١/٩٧: فيه عبد العزيز بن يحي المدني، قال البخاري: كان يضع الحديث. وقال الألباني في ضعيف الجامع ٧٠٥، رقم (٤٨٨٧): موضوع. وانظر: تهذيب الكمال ١٨/٢١٨، الجامع الصغير ٢/١٣٥، كنز العمال ٣/٣٣٣، رقم (٦٨١٠)، فيض القدير ٤/٥ ٣٦.
[ ٤٧ ]
ومنها: "من ابتلي بداء في بدنه [أو سقم] ١، فسئل كيف تجدك؟، فأحسن على ربه الثناء، أثنى الله عليه في الملأ الأعلى"، رواه الديلمي٢ عن عائشة ﵂.
ومنها: "كان عيسى بن مريم يسيح، فإذا مشى أكل بقل الصحراء، وشرب الماء القراح، وتوسد التراب، ثم قال: عيسى بن مريم ليس له بيت يخرب، ولا ولد يموت، طعامه بقل الصحراء، وشرابه الماء القراح، ووساده التراب، فلما أصبح ساح، فمر بواب، فإذا فيه رجل أعمى، مقعد، مجذوم، قد قطعه الجذام، السماء من فوقه، والوادي من تحته، والثلج عن يمينه، والبرد عن يساره، وهو يقول: الحمد لله رب العالمين ثلاثا، فقال له عيسى بن مريم: يا عبد الله على ما تحمد الله وأنت أعمى مقعد مجذوم، قد قطعك الجذام؟ السماء من فوقك، والوادي من تحتك، والثلج عن يمينك، والبرد عن يسارك؟، قال: يا عيسى أحمد الله إذ لم أكن الساعة ممن يقول: إنك إله وابن إله، وثالث ثلاثة" ٣ رواه الديلمي، وابن النجار، عن جابر ﵁.
_________________
(١) ١زيادة من مسند الفردوس. ٢مسند الفردوس للديلمي ٣/٦٢٩، رقم (٥٩٦٩) . كنز العمال ٣/٣٤١ رقم (٦٨٤٥) . ٣ ذكر الديلمي في الفردوس طرفا منه، ولم أقف عليه بتمامه في الجزء المطبوع من تاريخ ابن النجار، وذكره المتقي الهندي في الكنز بتمامه. انظر: مسند الفردوس للديلمي ٣/٢٧٢، رقم (٤ ٤٨١)، والكنز ٣/٣٤٢- ٣٤٣، رقم ٦٨٥٢١.
[ ٤٨ ]
ومنها: "المصيبة تبيض١ وجهه صاحبها يوم تسود الوجوه" رواه الطبراني في الأوسط٢ عن ابن عباس ﵄.
ومنها: "عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خير حمد الله وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه" رواه الطيالسي٣، والطبراني٤ عن سعد بن أبي وقاص٥ ﵁.
ومنها: "من يرد الله به خيرا يصب منه" أي يبتليه بالمصائب ليرفع
_________________
(١) ١في (أ) (تبيض الوجه) . ٢ مجمع البحرين في زوائد المعجمين ٢/٣٣٥، رقم (١١٥٢)، وأورده في المجمع أيضا ٢/٢٩١، وقال: فيه سليمان بن رقاع، وهو منكر الحديث. وأورده السيوطي في الجامع الصغير ٢/١٨٦، ورمز له بالضعف. وانظر: كنز العمال ٣/٢٩٦، رقم (٦٦٢٨)، فيض القدير ٦/٢٧٣، رقم (٩٢١٨) . ٣مسند الطيالسي ص ٢٩، رقم (٢١١) . ٤ في الأوسط، مجمع البحرين ٧/٣٣٦، رقم (٥٤٤٠) . ٥ ورواه أحمد في المسند ١/١٧٧، وعبد الرزاق في مصنفه/ باب المرض ١١/١٩٧، رقم (٢٠٣١٠)، والبيهقى في السنن الكبرى/ كتاب الجنائز ٣/٣٧٦، وفى الشعب/ باب الصبر على المصائب ٧/١٨٩، رقم (٩٩٥٠)، والبغوي في شرح السنة/ كتاب الجنائز ٥/ ٤٤٨، رقم (١٥٤٠)، وأورده الهيثمي في المجمع ٧/٢٠٩: وقال: رواه أحمد بأسانيد، ورجالها كلها رجال الصحيح، ورمز السيوطى له في الجامع الصغير ٢/٥٨ بالصحة وانظر: الكنز ٣/٢٩٧، رقم (٦٦٣٧)، فيض القدير ٤/٣٠٥، رقم (٠ ٥٣٩) .، بلوغ الأماني ١٩/١٢٩. قلت: روى البخاري في كناب الوصايا ٢/١٢٥، ومسلم/ كتاب الوصية ٣/ ١٢٥٠، رقم (١٦٢٨)، بإسنادهما عن سعد بن أبى وقاص ﵁ مرفوعا " ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك".
[ ٤٩ ]
له المراتب" ١. رواه أحمد٢، والبخاري٣، عن أبى هريرة رضي الله
ومنها: "ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله عنه به سيئاته" رواه أحمد٤، والحاكم٥، عن معاوية٦ ﵁.
ومنها: "ما أصابت عبدا مصيبة إلا بإحدى خلتين، بذنب لم يكن
_________________
(١) ١ شرح السنة ٥/٢٣٢، فتح الباري ١٠/١٠٨، بلوغ الأماني ١٩/١٢٨. ٢ مسند أحمد ٢/٢٣٧. ٣ في الصحيح/ كتاب المرضى/ باب ما جاء في كفارة المرض ٢/٤. ٤ مسند أحمد ٤/٩٨. ٥ المستدرك/ كتاب الجنائز ١/٣٤٧، وصححه، ووافقه الذهبي. ٦ورواه أيضا: ابن أبي شيبة في كتاب الجنائز/ باب ثواب الحمى والمرض ٢/٤٤٠، رقم (١٥٨٠٩)، والطبراني في الكبير ١٩/٣٥٩، رقم (٨٤١)، (٨٤٢)، والبيهقي في الشعب/ باب الصبر على المصائب ٤/١٦٨، رقم (٩٨٧٤١) . قال الهيثمي في المجمع ٢/٣٠١: رجال أحمد رجال الصحيح، ورمز له السيوطي في الجامع ٢/١٥٠ بالصحة. انظر: الكنز: ٣/٣٠٩، رقم ٦٦٩٣١،، فيض القدير ٥/٤٨٤، رقم (٨٠٤٨)،، بلوغ الأماني ١٩/١٣٢.
[ ٥٠ ]
الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة، أو بتلك المصيبة أو بدرجة لم يكن الله ليبلغه إياها إلا بتلك المصيبة". رواه أبو نعيم١ عن ثوبان٢ ﵁.
ومنها: "إن في الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان، يصب عليهم الأجر صبا"، وقرأ قوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ ٣. رواه الطبراني٤ عن الحسن بن علي ﵄.
_________________
(١) ١ لم أقف عليه في كتب أبي نعيم: الحلية، وأخبار أصبهان، ومعرفة الصحابة، وتد أورده المتقي الهندي في: كنز العمال ٣/٣٣٩، رقم ٦٨٣٣١، ورواه الديلمي في مسند الفردوس ٤/٧٤، رقم ٦٢٢٩١، وفى إسناده: ياسين الزيات، تال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات. وانظر: التاريخ الكبير ٨/٤٢٩، وكناب المجروحين ٣/ ١٤٢، وميزان الاعتدال ٤/٣٥٨. ٢ ثوبان النبوي، أبو عبد الله، مولى رسول الله ﷺ، سبي من أرض الحجاز، فاشتراه النبي ﷺ، وأعتقه، فلزم النبي ﷺ - وصحبه، وحفظ عنه كثيرا من العلم - وطال عمره، ومات سنة (٥٤ هـ) بحمص. ترجمته في: أسد الغابة ١/٢٩٦، سير أعلام النبلاء٣/١٥، الإصابة ١/٢٠٤، الأعلام ٢/١٥٢. ٣ الآية ١٠ من سورة الزمر. ٤ المعجم الكبير للطبراني ٣/٩٢، رقم (٢٧٦٠) . وقال الهيمثي في المجمع ٢/٣٠٥: وفيه سعد بن طريف، وهو ضعيف جدا. وأورده ابن الجوزى في الموضوعات ٣/٢٠٢، وقال: لا يصح، وذكره السيوطي في اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ٢/٣٩٩. وانظر: الدر المنثورة٥/٦٠٦، والكنز ٣/٣٣٦، رقم (٦٨٢٤) .
[ ٥١ ]
فهذه أربعون حديثا متضمنة للصبر على البلاء، والشكر على النعماء، والرضا بالقضاء، في السراء والضراء، مشتملة على أوصاف أرباب البلاء، وأصحاب الولاء من الأنبياء والأولياء.
فإن قلت:
فإذا كان هذا كله ثواب الابتلاء، فكيف استعاذ النبي - ﷺ - من أنواع الداء، فيما ورد عنه - ﷺ - من أصناف الدعاء؟.
حيث قال - ﵊: "اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري" ١
_________________
(١) ١ الحديث ورد من طريق أبي بكرة - ﵁. رواه البخاري في الأدب المفرد ٢/١٥٩، رقم (٧٠١)، وأحمد ٥/٤٢، وابن السني ٣٥، رقم (٦٩)، وأبو داود في كتاب الأدب ٥/٣٢٥، ر. قم (٥٠٩٠)، والنسائي في الكبرى ٦/٩-١٠ رقم (٩٨٥٠)، وقال: جعفر بن ميمون ليس بالقوى في الحديث. وأورده السيوطي في الجامع ١/٥٩، ورمز له بالصحة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ١٧٢ رقم (١٢١٠) . قال الإمام الخطابي في كتابه: شأن الدعاء: ١٢٧ بعد أن ساق الحديث: قد تكون العافية في السمع والبصر، بأن يسلما من الآفات كالصمم، والعمى، والرمد، والأوجاع، وتكون بمعنى السلامة مما يسوء السامع له والناظر إليه، وقد تكون بمعنى العصمة من المآثم، فلا ينظر بعينه إلى محظور، ولا يصغي بأذنه إلى مكروه.
[ ٥٢ ]
وقولهﷺ: "اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث١ مني" ٢.
وقوله ﵊ " وأسألك أن تبارك لي في سمعي وفى بصري "٣.
_________________
(١) ١ قال الإمام الخطابي في كتابه: شأن الدعاء: ١٦٧. معنى الوارث - هاهنا- الباقي، وحقيقة الوارث أنه هو الذي يرث ملك الماضي، سأل الله أن يبقي له قوة هاتين الحاستين إذا أدركه الكبر، وضعف منه سائر القوى، ليكونا وارثي سائر الأعضاء، والباقيين بعدها. وقيل: إنه دعا بذلك للأعقاب والأولاد. وقال ابن الأثير في النهاية ٥/١٧٢: قوله "واجعلهما الوارث مني": أي أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت، وقيل: أراد بقاءهما وقوتهما عند الكبر وانحلال القوى النفسانية، فيكون السامع والبصر وارثي سائر القوى، والباقيين بعدها. وقيل: أراد بالسمع وعي ما يسمع والعمل، به، وبالبصر الاعتبار بما يرى. ٢ ورد من طريق عائشة ﵂: رواه الترمذي في أبواب الدعوات ٥/١٨٠، رقم (٣٥٤٧)، وقال: حسن غريب، والطبراني في كتابه الدعاء ٣/١٤٧٨، رقم (١٤٥٣) واللفظ له. وورد من طريق أبي هريرة - ﵁ - رواه الحاكم في المستدرك/ كتاب الدعاء/ ١/٥٢٣، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.. ٣ الحديث ورد عن طريق ابن عمر ﵄. رواه الحاكم في المستدرك/ كتاب الدعاء١/٥٢٨، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.
[ ٥٣ ]
وقوله ﵊ " وأعوذ بك من الصمم والبكم١ " ٢.
وقوله ﵊ "اللهم إني أعوذ بك من البرص٣ والجنون والجذام٤ وسيء الأسقام٥ " ٦ ولاشك أن فقد السمع والبصر من أسوء الأسقام.
_________________
(١) ١ الأبكم: الأخرس، وقيل: الأخرس: الذى خلق ولا نطق له، والأبكم: الذي له نطق ولا يعقل الجواب. وقال القرطبي ١/٢١٤: الأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس، وقيل: الأخرس، والأبكم واحد. ٢ الحديث ورد من طريق أنس ﵁. رواه ابن حبان/ كتاب الرقائق/ باب الاستعاذة ٣/٣٥٥، رقم (١٥٢٣)، والطبراني في كنابه الدعاء٣/١٤٢٦، رقم (١٣٤٣)، وفى المعجم الصغير ١/١٣٥، رقم (٣٠٨)، والحاكم في المستدرك/ كتاب الدعاء١/٥٣٠، وصححه، ووافقه الذهبي، والهيثمي في مجمع البحرين ٨/٥٦، رقم (٤٧٠٠) . وقال الهيثمى في المجمع ١٠/١٤٣: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله رجال الصحيح. ٣ البرص: بياض شديد يبقع الجلد، ويذهب دمويته. المصباح ٤٤، معجم لغة الفقهاء١٥٩. ٤ الجذام: علة تختر منها العضو، ثم يسود، ثم يتقطع ويتناثر، سمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها، نسأل الله السلامة والعافية. المصباح ٩٤، معجم لغة الفقهاء١٦١. ٥ قال الإمام الخطابي - ﵀ - في معالم السنن ١/٢٩٧: يشبه أن يكون استعاذته من هذه الأسقام، لأنها عاهات تفسد الخلقة، وتبقي الشين، وبعضها يؤثر في العقل وليست كسائر الأمراض التي إنما هي أعراض لا تدوم كالحمى والصداع، وسائر الأمراض التي لا تجرى مجرى العاهات، وإنما هي كفارات، وليست بعقوبات. ٦ الحديث ورد من طريق أنس ﵁. رواه الطيالسي في مسنده ٢٦٨، رقم ٢٠٠٨، وابن أبي شبية/كتاب الدعاء ٦/١٨، رقم (٢٩١٢٩)، وأحمد في المسند ٣/١٩٢، وأبو داود/ كتاب الصلاة لم باب الاستعاذة ٢/١٩٤، رقم ١٥٥٤١،، والنسائي في الكبرى/ كتاب الاستعاذة/ باب الاستعاذه من الجنرن ٤٥٧١٤، رقم (٧٩٢٩)، والحاكم في المستدرك/ كتاب الدعاء١/٥٣٥، وصححه، وأفره الذهبي، وابن حبان/ كناب الرقائق/ باب الاستعاذة ٣/٢٩٥، رقم (١٠١٧)، والطبراني في كتابه الدعاء٣/١٤٢٦، رقم (١٣٤٢)، وفى المعجم الصغير ١/١٣٥، رقم (٣٠٨)، والهيثمى في مجمع البحرين ٨/ ٥٥- ٥٦، رقم (٤٧٠٠) . قال النووي في الأذكار ٦٠٢، رقم ١٠١٨: إسناده صحيح.
[ ٥٤ ]
فالجواب:
ما ورد في بعض الأحاديث من قوله - ﵊ -: " إن عافيتك أوسع لي " ١.
وقد مر - ﵊ - بقوم مبتلين٢، فقال: "أما
_________________
(١) ١ ورد من طريق عبد الله بن جعفر. رواه الطبراني في كتابه الدعاء٢/ ١٢٨٠، رقم (١٠٣٦)، وقال محققه: إسناده حسن، لكن فيه عنعنة ابن إسحاق، ورواه ابن عدي في الكامل ٦/٢١٢٤، وقال: هذا حديث أبى صالح الراسبي، لم نسمع أن أحذا حاث بهذا الحديث غيره، ولم نكتبه إلا عنه. وقال الهيثمي في المجمع ٦/٣٥ رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات. وأورده السيوطي في الجامع ١/٥٧- ٥٨ ورمز له بالحسن. وانظر: كنز العمال ٢/١٧٥، رقم (٣٦١٣)، وفيض القدير ٢/ ١١٩، رقم (١٤٨٣) . ٢ في الدعاء للطبراني: مجذمين.
[ ٥٥ ]
كان هؤلاء يسألون الله ﷿ العافية" ١.
وقد ورد: "اسألوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية٢ " ٣.
_________________
(١) ١ رواه الطبراني في كتابه: الدعاء، عن أنس ﵁، ٣/١٤٠٥، رقم (١٢٩٩)، وقال محقق الكتاب: إسناده حسن. ٢ قال العلامة ابن القيم ﵀ - بعد أن أورد هذا الحديث: جمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه. انظر: زاد المعاد ٥/٢١٥-١٢٦، عدة الصابرين ٣٨ ١. ٣ الحديث ورد من طريق أبى بكر الصديق ﵁. رواه ابن أبى شيبه/ كتاب الدعاء باب الدعاء بالعافية ٦/٣، رقم (٢٩١٨٢)، وأحمد في المسند ١/٤، والبخاري في الأدب المفرد ٢/١٨٦، رقم (٧٢٤)، وابن أبي الدنيا في كتاب الشكر ٧٢، رقم (١٥٤)، والنسائي في الكبرى/ كتاب عمل اليوم والليلة ٦/٢٢٠، رقم (١٠٧١٥)، والترمذي/ أبواب الدعوات ٥/٢١٨، رقم (٣٦٢٩) وقال: حسن غريب، وابن ماجة/ كتاب الدعاء ٢/١٢٦٥، رقم (٣٨٤٩)، وأبو يعلى ١/١١٢، رقم (١٢١)، والحاكم في المستدرك/ كتاب الدعاء١/٥٢٩، وصححه، وأقره الذهبي، وابن حبان/ كتاب الرقائق ٣/٢٣٢، رقم (٩٥٢)، وأبو نعيم في الحلية ٥/١٣٥، والبيهقى في الشعب ٢/١٦١، رقم ١٤٤٠١)، والخطيب في تاريخ بغداد ٤/٣٨١، والبغوي في شرح السنة/ كتاب الدعوات ٥/١٧٨، رقم (١٣٧٧) وقال: حديث غريب. والديلمي في الفردوس ٢/٣٠٥، رقم (٣٣٨٠) . قال الهيثمي في المجمع ١٠/١٧٣: رواه احمد ورجاله رجال الصحيح غير أوسط وهو ثقة، وصحح الألباني إسناده في تعليقه على المشكاة ٢/٧٦٦، رقم (٢٤٨٩) .
[ ٥٦ ]
هذا ولم يرد اعمله - ﵊ - تعوذ من العمى١.
ثم اختلف العلماء الأعلام في إن السمع أفضل أو البصر؟.
والأظهر الأول٢ بدليل ما جاء في القرآن الكريم من تقديم السمع
_________________
(١) ١ قال الإمام الخطابي﵀ - في كنابه شأن الدعاء ص ١٧٢: لم يستعذ النبي - ﷺ - من الحمى، والصداع، والرمد ونحوها، وذلك أن هذه الأمور - أي الصمم، والبكم، والجنون"، والجذام، والبرص - آفات، وعاهات تفسد الخلقة، وتغير الصورة، وتورث الشين، وتوثر في العقل، والمحنة بها تعظم، والبلاء فيها يجهد ويشتد. ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في مجموع الفتاوى ٩/٣١٥: إن العين تقصر عن القلب والأذن، وتفارقهما في شيء، وهو أنها إنما يرى صاجها بها الأشياء الحاضرة، والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص، فأما القلب والأذن، فيعلم الإنسان بهما ما غاب عنه، وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية، والمعلومات المعنوية، ثم بعد ذلك يفترقان: فالقلب يعقل الأشياء بنفسه إذ كان العلم هو غذاءه وخاصيته، أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب، فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ما فيه من العلم، فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب، وإنما سائر الأعضاء حجبه له، توصل إليه من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه، حتى أن من فقد شيئا من هذه الأعضاء فإنه يفقد بفقده من العلم ما كان هو الواسطة فيه، فالأصم لا يعلم ما في الكلام من العلم، والضرير لا يدري ما تحتوي عليه الأشخاص من الحكمة البالغة، وكذلك من نظر إلى الأشياء بغير قلب لو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب فإنه لا يعقل شيئا، فمدار الأمر على القلب، وعند هذا تستبين الحكمة في قوله تعالى أفي سورة الحج الآية ٤٦،: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها﴾ حتى لم يذكر هنا العين كما في الآيات السوابق، فإن سياق الكلام هنا في أمور غائبة، وحكمة معقولة من عواقب الأمور لا مجال لنظر العين فيها". وقال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه: مفتاح دار السعادة ١/١٠٥ في سياق كلامه لبيان حجة من قال بتفضيل السمع، قال:
(٢) إن السمع به تنال سعادة الدنيا والآخرة، فإنها إنما تحصل بمتابعة الرسل، وقبول رسالاتهم، وبالسمع عرف ذلك، فإن من لا سمع له لا يعلم ما جاؤا به.
(٣) إن السمع يدرك به أجل شيء، وأفضله، وهو كلام الله تعالى، الذي فضله على الكلام، كفضل الله على خلقه.
(٤) إن العلوم إنما تنال بالتفاهم والتخاطب، ولا، يحصل ذلك إلا بالسمع.
(٥) إن مدركه أعم من مدرك البصر، فإنه يدرك الكليات والجزئيات، والشاهد والغائب، والموجود والمعدوم، والبصر لا يدرك إلا بعض المشاهدات، والسمع يسمع كل علم، فأين أحدهما من الآخر، ولو فرضنا شخصين أحدهما يسمع كلام الرسول ولا يرى شخصه، والآخر بصير يراه ولا يسمع كلامه لصممه هل كانا سواء؟.
(٦) إن فاقد البصر إنما يفقد إدراك بعض الأمور الجزئية المشاهدة، ويمكنه معرفتها بالصفة ولو تقريبا، وأما فاقد السمع فالذي فاته من العلم لا يمكن حصوله بحاسة البصر ولو قريبا.
(٧) إن ذم الله تعالى للكفار بعدم السمع في القرآن، أكثر من ذمه لهم بعدم البصر، بل إنما يذمهم بعدم البصير تبغا لعدم العقل والسمع.
(٨) إن الذي يورده السمع على القلب من العلوم، لا يلحقه فيه كلال ولا سآمة ولا تعب، مع كثرته وعظمه، والذي يورده البصر عليه يلحقه فيه الكلال والضعف والنقص، وربما خشي صاحبه على ذهابه مع قلته ونزارته بالنسبة إلى السمع". وقال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (ت ١٣٩٣هـ) في تفسيره، التحرير والتنوير: ١/ ٢٥٨: "وفي تقديم السمع على البصر في مواقعه من القرآن الكريم، دليل على أنه أفضل فائدة لصاحبه من البصر، فإن التقديم مؤذن بأهمية المقدم، وذلك لأن السمع آلة لتلقي المعارف التي بها كمال العقل، وهو وسيلة بلوغ دعوة الأنبياء إلى أفهام الأمم على وجه أكمل من بلوغها بواسطة البصر لو فقد السمع، ولأن السمع ترد إليه الأصوات المسموعة من الجهات الست بدون توجه، بخلاف البصر، فإنه يحتاج إلى التوجه بالالتفات إلى الجهات غير المقابلة".
[ ٥٧ ]
على البصر في مواضع كثيرة١.
وكذا في الأحاديث الشهيرة، ومنها: "إن أبا بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر" ٢.
_________________
(١) ١ من ذلك: أ- قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾ الآية ٧ من سورة البقرة،.
(٢) قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ الآية ٢٠ من سورة البقرة،.
(٣) قوله تعالى: ﴿إن السمع والبصر، الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا﴾ الآية ٣٦ من سورة الإسراء،.
(٤) قوله تعالى: ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ الآية ٧٨ من سورة النحل،. ٢ الحديث ورد من عدة طرق وبألفاظ مختلفة، رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة ١/٣٨٢، رقم (٥٧٥) و(٦٨٦)، والترمذي في أبواب المناقب ٥/٢٧٥، رقم (٣٧٥٣)، وقال: هذا حديث مرسل، والحاكم في المستدرك/ كتاب معرفة الصحابة ٣/٦٩، وقال: هذا - حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه الذهبي، وأبو نعيم في الحلية ٤/٩٣، والخطب في تاريخ بغداد ٨/٤٥٩، وابن أبى حاتم في العلل ٢/٣٨٥ وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢/١١٧٥، رقم (٧٠٠٤)، وفي السلسلة الصحيحة ١/٤٧٢، وقم (٨١٤)، وانظر: أسد الغابة ٣/ ١١٤، مجمع الزوائد ٩/٥٢، سير أعلام النبلاء١٨/٤٣٥، الإصابة ٢/٢٩٩، الكنز ١١/٥٦٢.
[ ٥٩ ]
ولا بدع فإن السمع١ منشأ النقل، والبصر٢ مبدأ العقل، ألا ترى أن كثيرا من العلماء ولدوا عمي، لهم الدرجة العليا في مراتب التصنيف، ومناقب الفتوى، ومنهم: الشاطبي٣: سلطان القراء.
_________________
(١) ١ قال العلامة ابن القيم - ﵀ - في كلام له جميل على عجيب صنع الخالق - جل وعلا - للأذن، في كتابه مفتاح دار السعادة: ١/ ١٩٠: "وخلق الله – تعالى - الأذن أحسن خلقة، وأبلغها في حصول المقصود منها، فجعلها مجوفة كالصدفة، لتجمع الصوت، فتؤديه إلى الصماخ - القناة الموصلة إلى الطبلة - وليحس بدبيب الحيوان فيها فيبادر إلى إخراجه وجعل فيها غضونا وتجاويف، واعوجاجات تمسك الهواء والصوت الداخل فتكسر حدته، ثم تؤديه إلى الصماخ، ومن حكمة ذلك أن يطول به الطريق على الحيوان، فلا يصل إلى الصماخ حتى يستيقظ، أو ينتبه لإمساكه ". ثم قال: "ثم اقتضت حكمة الرب الخالق – سبحانه - أن جعل ماء الأذن مرا في غاية المرارة، فلا يجاوزه الحيوان، ولا يقطعه داخلا إلى باطن الأذن، بل إذا وصل إليه أعمل الحيلة في رجوعه، جعل ماء العينين ملحا ليحفظها فإنها شحمة قابلة للفساد، فكانت ملوحة مائها صيانة لها، وحفظا، وجعل ماء الفم عذبا حلوا ليدرك به طعوم الأشياء". ٢ وقال أيضا في المفتاح ١/١٨٩،: عند كلامه على العين: "انظر كيف حسن - الخالق جل وعلا - شكل العينين وهيأتهما، ومقدارهما، ثم جملهما بالأجفان غطاء لهما، وسترا وحفظا، وزينة، فهما يتلقيان عن العينين الأذى، والقذى، والغبار، ويكنانهما من البارد المؤذي، والحار المؤذي، ثم غرس في أطراف تلك الأجفان الأهداب جمالا وزينة، ولمنافع أخر وراء الجمال والزينة، ثم أودعهما ذلك النور الباصر، والضوء الباهر، الذي يخرق ما بين السماء والأرض، ثم يخرق السماء مجاوزا لرؤية ما فوقها من الكواكب، وقد أودع – سبحانه - هذا السر العجيب. في هذا المقدار الصغير؟ بحيث تنطبع فيه صورة السماوات مع اتساع أكنافها، وتباعد أقطارها. ٣ هو أبو محمد القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد الرعيني، الأندلسي، الشاطبي، ناظم (الشاطبية) في القراءات، وكذا (الرائية)، وقد سارت بقصيدتيه هاتين الركبان، وكان ذكيا، عالما بالحديث والتفسير واللغة. مات بمصر سنة (٥٩٠ هـ) . ترجمته في: وفيات الأعيان ٤/ ٧١، نكت الهميان ٢٢٨، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٢٦١، الأعلام ٥/ ١٨٥.
[ ٦٠ ]
وقيل: البصر أفضل١.
_________________
(١) ١ وقال العلامة ابن القيم - ﵀ - في كتابه مفتاح دار السعادة ١/١٠٥، مبينا حجة من قال بتفضيل البصر على السمع: "وقالت طائفة منهم ابن قتيبة: بل البصر أفضل، فإن أعلى النعيم وأفضله وأعظمه لذة، هو النظر إلى الله في الدار الآخرة، وهذا إنما تنال بالبصر، وهذه وحدها كافية في تفضيله". ثم قال في الكتاب المذكور ١/٢٦٥: "ثم تأمل حال من عدم البصر، وما يناله من الخلل في أموره " إلى أن قال: "ولذلك جعل الله ثوابه إذا صبر واحتسب الجنة، ومن كمال لطفه أن عكس نور بصره إلى بصيرته، فهو أقوى الناس بصيرة وحدسا - أي ظنا وتخمينا -، وجمع عليه همه فقلبه مجموع عليه، غير مشتت ليهنأ له العيش، وتتم مصلحته، ولا يظن أنه مغموم حزين متأسف". وقال ﵀ مبينا الفصل في هذه المسألة: ١/١٠٦: والصواب أن كلا منهما له خاصية فضل بها الآخر، فالمدرك بالسمع أعم وأشمل، والمدرك بالبصر أتم وأكمل، فالسمع له العموم والشمول، والبصر له الظهور والتمام وكمال الإدراك، وأما نعيم أهل الجنة فشيئان: أحدهما: النظر إلى الله. والثاني: سماع خطابه وكلامه فكلامه أعلى نعيم أهل الجنة!. وقال أيضا ١/٢٦٥: "والذي يليق بهذا الموضع أن يقال: عادم البصر أشدهما ضررا، وأسلمهما دينا، وأحمدهما عاقبة، وعادم السامع أقلهما ضررا في دنياه، وأجهلهما بدينه، وأسوأ عاقبة، فإنه إذا عدم السمع عدم المواعظ والنصائح، وانسدت عليه أبواب العلوم النافعة، وانفتحت له طرق الشهوات التي يدركها البصر، ولا يناله من العلم ما يكفه عنها، فضرره في دينه أكثر، وضرر الأعمىفي دنياه أكثر، ولهذا لم يكن في الصحابة أطرش، وكان فيهم جماعة أضراء، وقل أن يعتلي الله أولياءه بالطرش ويبتلى كثيرا منهم بالعمى. فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة: فمضرة الطرش في الدين، ومضرة العمى في الدنيا، والمعافى من عافاه الله منهما، ومتعه بسمعه وبصره، وجعلهما الوارثين منه".
[ ٦١ ]
ويكفيك في فضيلة الأعمى ما ورد في ما ورد في سورة ﴿عبس١ وتولى٢﴾ ٣، وناهيك أنه - ﵊ - كلما جاءه ابن أم مكتوم قال: "مرحبا بمن عاتبني ربي فيه" ٤.
وجعله مرتين خليفة عنه في المدينة٥، وإماما في المسجد٦.
_________________
(١) (عبس): أي: قبض وجهه مكرها، (وتولى): اعرض. ٢ الآية رقم ١ من سورة عبس. ٣ روى الإمام الطبري في تفسيره ١٢/٤٤٣، وابن حبان في صحيحه ٢/٢٩٤، والحاكم ٢/٥١٤، بأسانيدهم عن عائشة - ﵂ - قالت: أنزلت (عبس وتولى) في ابن أم مكتوم، قالت: "أتى إلى رسول الله – ﷺ - فجعل يقول: أرشدني! قالت: وعند رسول الله - ﷺ- من عظماء المشركين، قالت: فجعل النبي - ﷺ - يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: (أترى بما أقوله بأسا؟)، فيقول: لا، ففي هذا أنزلت ﴿عبس وتولى﴾ . ٤ معالم التنزيل للبغوي ٨/٣٣٥، زاد المسير لابن الجوزي ٩/٢٩، روح المعاني ٣٥/٥٠. ٥ وذكر بعضهم أنه استخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة، وانظر: طبقات ابن سعد ٤/١٥٥، نكت الهميان ٢٢١، الإصابة ٢/٥٢٣. ٦ عن أنس - ﵁- أن النبي - ﷺ – استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى، رواه أحمد في المسند ٣ /١٩٢، وأبو داود في كتاب الصلاة ١/٣٩٨، رقم (٥٩٥)، والبيهقي ٣/٨٨، وحسنه الحافظ في التلخيص ٢/٣٤، ورواه ابن حبان في صحيحه ٥/٥٠٦، رقم (٢١٣٤) من طريق عائشة ﵂، وأبو يعلى في مسنده ٥/٤٣٨، رقم (٣١٣٨)، والطبراني في الأوسط، مجمع البحرين في زوائد المعجمين ٢/٦٧، رقم (٧٢٣)، تال الهيثمي في المجمع ٢/٦٥، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وقال الحافظ في التلخيص. الصفحة السابقة: إسناده حسن.
[ ٦٢ ]
فإن قلت: في كلام الفقهاء، أن إمامة الأعمى مكروهة١. فالجواب: أنه محمول على ما إذا كان هناك أفضل منه علمًا وقراءة، وأكمل منه حراسة ورعاية٢.
وروي أن سبب ابتلاء يعقوب - ﵇ - أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور٣.
وروي أنه قيل له يا يعقوب، ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك،
_________________
(١) ١ خلاصة مسألة إمامة الأعمى عند الفقهاء: أن الحنفية قالوا: تكره إمامة الأعمى مع وجود البصير، فإن لم يوجد بصير أفضل منه فهو أولى، وذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة: إلى جواز إمامة الأعمى وصحتها بلا كراهة، بل ذهب أبو إسحاق المروزي، والغزالي من الشافعية، والقاضي من الحنابلة إلى أن الأعمى أولى من البصير: لأنه لا ينظر إلى ما يلهيه ويشغله فيكون أبعد عن تفرق القلب وأخشع، أنظر تفصيل المسألة في: تبيين الحقائق ١/١٣٤، مجمع الأنهر ١/١٠٨، التفريع ١/٢٢٣، أسهل المدارك ١/٢٤٣، فتح العزيز ٤/٣٢٨، مغنى المحتاج ١/٢٤١، المغنى ٣/٢٨، الكافي ١/١٨١، نيل الأوطار ٣/١٦١. ٢ بدائع الصنائع ١/١٥٧، البحر الرائق ١/٣٦٩، الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣١٤. ٣ معالم التنزيل للبغوي ٤/٢٦٩، زاد المسير لابن الجوزي٤/٢٧٤-٢٧٥، خارت البقرة: إذا اشتد صياحها.
[ ٦٣ ]
قال: "أذهب بصري بكاء يوسف، وقوس ظهري حزني على أخيه، فأوحى الله إليه: أتشكوني؟، وعزتي وجلالي لا أكشف ما بك حتى تدعوني، فعند ذلك قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فأوحى الله إليه: وعزتي لو كانا ميتين لأخرجتهما لك، وإنما وجدت عليكم - أي غضبت - لأنكم ذبحتم شاة، فقام به ببابكم مسكين، فلم تطعموه منها شيئا، وإن أحب خلقي إلي الأنبياء، ثم المساكين، فاصنع طعاما، وادع إليه المساكين، فصنع طعاما، ثم قال: من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب.
وروي أنه كان بعد ذلك إذا تغدى أمر من ينادي: من أراد الغداء فليأت يعقوب وإذا أفطر أمر من ينادي: من أراد أن يفطر فليأت يعقوب، فكان يتغذى ويتعشى مع المساكين١.
وقد ورد أنه "إذا جامع أحدكم فلا ينظر إلى الفرج فإنه يورث العمى، ولا يكثر الكلام فإنه يورث الخرس " ٢ رواه الديلمي٣ في مسند الفردوس عن أبي هريرة ﵁.
_________________
(١) ١ ورد من طريق أنس ﵁: رواه الحاكم في المستدرك ٢/٣٤٨، ومال إلى تصحيحه، والبيهقي في الشعب ٣/ ٢٣٠ رقم (٣٤٠٣)، والطبراني في المعجم الصغير ٣١٣، رقم (٨٤٣)، وقال: لا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به وهب بن بقية، والهيثمي في مجمع البحرين ٦/٣٧، رقم (٣٣٤١)، وقال في مجمع الزوائد ٧/٤٠: رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري وهو ضعيف جدا. وذكره البغوي كما في تفسيره ٤/٢٦٧، وابن كثير ٢/٤٨٨، وأنكره، والسيوطي في الدر المنثور ٤/ ٦١. ٢الخرس: ذهاب الكلام والنطق. ٣ لم أقف عليه في مسند الفردوس، وقد رواه ابن عدى في الكامل ٢/٥٠٧، وابن أبى حاتم في العلل ٢/٢٩٥، وقال: موضوع، وابن حبان في كتاب المجروحين ١/٢٠٢، وقال: موضوع، وقال الذهبي في السير ٨/٥٢٥: باطل، وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعه المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة ٢/٢٠٩،. وابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ٢٧١) والسيوطي في اللأليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ٢/١٧٠، والشوكانى في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ١٢٨-٢١٧، رقم (٣٠) . وانظر: التلخيص الحبير ٣/١٤٩، نصب الراية ٤/٢٤٨، كنز العمال ١٦/٣٤٤، رقم (٤٤٨٤١) .
[ ٦٤ ]
وروي عن شداد بن أوس - ﵁ - مرفوعا "بكى شعيب النبي حتى عمي، فرد الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره، فقال الله تعالى له: ما هذا البكاء؟، أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار، قال: لا١، يا رب،
_________________
(١) ١ قال الشيخ الألباني في كتابه: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٢/٤٢٦: ومما ينكر في هذا الحديث قوله: "ما أبكي شوقا إلى جنتك ولا خوفا من النار": فإنها فلسفة صوفية، اشتهرت بها رابعة العدوية، إن صح ذلك عنها، فقد ذكروا أنها كانت تقول في مناجاتها: "رب مما عبدتك طمعا في جنتك" ولا خوفا من نارك"، وهذا كلام لا يصدر إلا ممن لم يعرف الله - ﵎ - حق معرفته، ولا شعر بعظمته وجلاله، ولا بجوده وكرمه، وإلا لتعبده طمعا فيما عنده من نعيم مقيم، ومن ذلك رؤيته ﵎، وخوفا مما أعده للعصاة والكفار من الجحيم والعذاب الأليم، ومن ذلك حرمانهم النظر إليه كما قال تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، ولذلك كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - وهم العارفون بالله حقا - لا يناجونه بمثل هذه الكلمة الخيالية، بل يعبدونه طمعا في جنته - وكيف لا، وفيها أعلى ما تسمو إليه النفس المؤمنة، وهو النظر إليه سبحانه - ورهبة من ناره، ولم لا، وذلك يستلزم حرمانهم من ذلك، ولهذا قال تعالى - بعد أن ذكر نخبة من الأنبياء-: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾، ولذلك كان نبينا محمد - ﷺ - أخشى الناس لله، كما ثبت في غير ما حديث صحيح عنه.
[ ٦٥ ]
ولكن شوقا إلى لقائك، فأوحى الله إليه: إن يك ذلك، فهنيئا لك لقائي، ياشعيب، لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي"١،
وفيه تنبيه نبيه على أن في خدمة الأعمى، وقيادته، لاسيما إلى مقام حاجته، وحال عبادته، وتعليم قبلته أجرا جزيلا، وثوابا جميلا، رقد قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ ٢.
وورد "من كان في عون أخيه كان الله في عونه" ٣، و"الدال على الخير كفاعله" ٤.
وفي الخبر: "من أغاث ملهوفا٥ كتب الله له ثلاثا وسبعين مغفرة، واحدة فيها صلاح أمره كله، وثنتان وستون له درجات يوم القيامة"
_________________
(١) ١ رواه الخطيب في تاريخ بغداد ٦/٣١٥، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ١/١٧٦ وأشار إلى ضعفه، والذهبي في الميزان ١/٢٣٩، وقال: هذا حديث باطل لا أصل له، وابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٤٩- ٥٠، وقال: لا أصل له، وأنكره الخطيب، والبغوي في معالم التنزيل ٦/٢٠٤. ٢ الآية ٢ من سورة المائدة. ٣ رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء٤/٢٠٧٤، رقم (٢٦٩٩) من طريق أبي هريرة - ﵁ - مرفوعا بلفظ، " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أنه ". ٤ الحديث ورد بألفاظ متعددة، منها ما رواه مسلم في كتاب الإمارة ٣/١٥٠٦، رقم (١٨٩٣)، عن أبى مسعود الأنصاري - ﵁ - مرفوعا "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، وانظر طرق الحديث الأخرى وألفاظه في السلسلة الصحيحة للألباني ٤/٢١٦، رقم (١٦٦٠) . ٥ ملهوف: أي حزين قد ذهب له مال، أو فجع بقريب، واللهف: الحزن والأسى والغيظ.
[ ٦٦ ]
رواه البيهقى١ عن أنس٢ ﵁، وفي الصحيحين: "كل معروف صدقة" ٣.
ولأحمد٤، والترمذي٥ وصححه، من حديث البراء ﵁
_________________
(١) ١ شعب الإيمان للبيهقي باب التعاون على البر والتقوى ٦/١٢٠، رقم (٧٦٧٠) . ٢ ورواه ابن حبان في كتاب المجروحين والضعفاء١/٣٠٦، وقال: فيه زياد ابن أبي حسان، كان ممن يروي أحاديث مناكير كثيرة، وأوهاما كثيرة، ولا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، ورواه البخاري في التاريخ الكبير ٣/٣٥٠، رقم (١١٨٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/٧٤، والخطيب في تاريخ بغداد ٦/٤١، وابن عدي في الكامل ٣/١٠٥٢، وأبو يعلى في المسند ٧/٢٥٥، رقم (٤٢٦٦)، وأورده ابن حجر في المطالب العالية ١/٢٦٣، والعقيلي في الضعفاء الكبير ٢/٧٦، رقم (٥٢٤)، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ٢/١٧١، وقال: هذا حديث موضوع، وذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة ٢/١٣٦، وأورد السيوطي في اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ٢/٨٦، والذهبي في الميزان ٢/٣٦٩، وانظر: مجمع الزوائد ٨/١٩١، والجامع الصغير ٢/١٦٥، والكنز ٣/٤١٥، رقم (٧٢١٥) . ٣ ورد من حديث جابر بن عبد الله ﵁، رواه البخاري في كتاب الأدب/ باب كل معروف صدقة ٤/٥٤، ومن حديث حذيفة عند مسلم/ كتاب الزكاة ٢/٦٩٧، رقم (١٥٥٥) . ٤ مسند أحمد ٤/٢٨٥، واللفظ له. ٥ الترمذي/ أبواب البر والصدقة/ باب ما جاء في المنحة ٣/٢٢٩، رقم (٢٠٢٣)، وقال: حسن صحيح غريب، ورواه أيضا: أبو داود الطيالسي ١٠٠ رقم (٧٤٠)، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٧، والخطابي في غريب الحديث ١/٧٢٨، والبغوى في شرح السنة/ كناب الزكاة/ باب ثواب المنحة ٦/١٦٢- ١٦٣، رقم (١٦٦٣)، وقال: حسن صحيح، والبيهقي فيالشعب/ باب الزكاة ٣/٢٢٣، رقم (٣٣٨٥)، وابن حبان/ كتاب العارية ١١/٤٩٤، رقم (٥٠٩٦) .
[ ٦٧ ]
مرفوعا "من منح منحة ورق، أو منحة لبن١ أو هدي زقاقا٢ فهو كعتاق نسمة".
وللديلمي في مسند الفردوس٣، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعا "ترك السلام على الضرير خيانة".
وأما قوله تعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى﴾ ٤ فمعناه: من كان في الدنيا أعمى القلب، عن رؤية قدرة الله تعالى، وآياته، وعجائب مخلوقاته، فهو في الآخرة أشد عمى، وأضل سبيلا٥.
_________________
(١) ١ المنحة، والمنيحة: معناهما واحد وهو: العطية، وتكون في الحيوان. وهي منيحة اللبن، وهى أن يعير إنسانا ناقته أو شاته فيحلبها مدة ينتفع بلبنها ثم يردها. وتكون في الورق: أي الفضة وهي منح الدراهم أو هبتها. انظر: غريب الحديث لأبى عبيد ١/١٧٦، النهاية ٤/٣٦٤، بلوغ الأماني ١٥/١٦٣. ٢ ورد هكذا في بعض الطرق بلفظ "هدي" من الهداية، وفى بعض الألفاظ "أهدى" من الهدية، قال ابن الأثير في النهاية ٢/٣٠٦ الزقاق بالضم: الطريق، يريد من دل الضال أو الأعمى على طريقه، وقيل: أراد من تصدق بزقاق من النخل، وهو الصف من الشجر، وانظر: شرح السنة ٦/١٦٣، بلوغ الأماني الصفحة السابقة. ٣ مسند الفردوس ٢/٦٩، رقم (٢٣٩٤)، وذكره السيوطي في الجامع الصغير ١/١٣٠، والهندي في الكنز ٩/١٢٨، رقم (٢٥٣٣١)، والعجلوني في كشف الخفا ١/٣٠٣، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ٣٥٨ رقم (٢٤٢٥) . ٤ الآية ٧٢ من سورة الإسراء. ٥ جامع البيان للطبري ٨/١١٧، النكت والعيون للماوردي ٣/٢٥٨- ٢٥٩، معالم التنزيل للبغوي ٥/١١٠، زاد المسير لابن الجوزي٥/٦٥- ٦٦، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٥٢، الدر المنثور للسيوطي ٤/٣٥١- ٣٥٢، فتح القدير للشوكاني ٣/٢٤٦- ٢٤٧، روح المعاني للآلوسي ١٥/١٢٣.
[ ٦٨ ]
وأما قوله تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري﴾ ١ يعنى: القرآن، فلم يؤمن به٢. ﴿فإن له معيشة ضنكا﴾ ٣، أي: ضيفا، بأن يسلب عنه القناعة حتى لا يشبع إلى يوم قيام الساعة٤، ﴿ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ ٥، قال ابن عباس - ﵄ -: عمى البصر٦. وقال مجاهد: عمى الحجة٧.
ويؤيد الأول قوله تعالى: ﴿قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا﴾ ٨ أي: بالعين٩.
ويقويه قوله ﷾: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾ ١٠ فإن قيل١١: كيف وصفهم بأنهم: عمي،
_________________
(١) ١ الآية ١٢٤ من سورة طه. ٢ معالم التنزيل ٥/٣٠٠، زاد المسير ٥/٣٣٥. ٣ الآية ١٢٤ من سورة طه. ٤ معالم التنزيل ٥/٣٠١. ٥ الآية ١٢٤ من سورة طه. ٦ قوله في: معالم التنزيل ٥/٣٠١، زاد المسير ٥/٣٣٢. ٧ قوله في: جامع البيان ٨/٤٧٣، معالم التنزيل ٥/٣٠١، زاد المسير ٣٣٢، الدر المنثور ٤/٥٥٨. ٨ الآية ١٢٥ من سورة طه. ٩ معالم التنزيل ٥/٣٠١، فتح القدير ٣/٣٩٢. ١٠ الآية ٩٧ من سورة الإسراء. ١١ أورد هذا أيضا: الطبري في جامع البيان ٨/١٥٢، والبغوي في معالم التنزيل ٥/١٣٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٥/٩٥.
[ ٦٩ ]
وبكم، وصم، وقد قال: ﴿ورأى المجرمون النار﴾ ١، وقال: ﴿دعوا هنالك ثبورا﴾ ٢، وقال: ﴿سمعوا لها تغيطا وزفيرا﴾ ٣، فأثبت لهم الرؤية والكلام والسمع٤.
فالجواب: أنهم يحشرون على ما، صفهم الله أولا، ثم تعاد إليهم هذه الأشياء ثانيا٥.
وقال ابن عباس ﵄: "عميا لا يرون ما يسرهم، بكما لا ينطقون بحجة تنفعهم، صما لا يسمعون شيئا يسرهم٦ ".
وقال الحسن: "هذا حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار وهم أصناف الكفار"٧. وقال مقاتل: هذا حين يقال لهم: ﴿اخسؤا فيها ولا تكلمون﴾ ٨، فيصيرون بأجمعهم عميا، وبكما، وصما، لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون٩.
_________________
(١) ١ الآية ٥٣ من سورة الكهف. ٢ الآية ١٣ من سورة الفرقان، ومعنى (ثبورا) أي هلاكا، وقيل: ويلا. ٣ الآية ١٢ من سورة الفرقان، ومعنى (تغيظا) أي: غليانا، (وزفيرا) أي: صوتا. ٤ انظر: المصادر السابقة في الحاشية رقم (١١)، من الصفحة السابقة والجامع للقرطبي ١٠/٣٣٣، الدر المنثورة٤/٣٦٨. ٥ انظر المصادر السابقة في الحاشيتين رقم (٢٠٩)، و(٢١٣) من الصفحة السابقة. ٦ قوله في: جامع البيان ٨/١٥٢،. معالم التنزيل ٥/١٣٢، زاد المسير ٥/٩٠، الدر المنثور ٤/٣٦٨. ٧ قوله في معالم التنزيل ٥/١٣٢. ٨ الآية ١٠٨ من سورة المؤمنون. ٩ قوله في معالم التنزيل ٥/١٣٢، زاد المسير ٥/٩٠، الجامع للقرطبي١٠/٣٣٣، النكت والعيون للماوردي ٣/٢٧٥.
[ ٧٠ ]
فنسأل الله العافية، وحسن الخاتمة، ثم ما دمت في هذا الدار، فلا تستغرب وقوع الأكدار فقد ورد: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"١، إذ عيشها لا كدر معه، والحمد لله أولا وآخرا، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه٢.
_________________
(١) ١ روى البخاري في كتاب الرقاق ٤/١١٥، ومسلم في كتاب الجهاد والسير ٣/١٤٣١، رقم (١٨٠٥)، واللفظ له بسندهما عن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في غزوة الخندق: " اللهم! لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة" ٢ كان الفراغ من تحقيقه - ولله الحمد والمنة - غرة شهر رمضان المبارك عام ١٤١٣هـ في المدينة المنورة.
[ ٧١ ]