في سبب رذيلة الإنسان وتأخره عن الفضيلة
سبب تأخر الإنسان عن الفضيلة لا تخلو من أوجه: إما أن تكون نقصًا في أصل خلقته وعجزًا مركبًا في جبلته يتقاعد به عن تحصيل القوة وجمع الآلة التي يتوصل بها إلى السعادة كمن تضعف نحيزته، أو لا يفضل عن طلب معايشه الضرورية في وقته، أو لا يجد هاديًا يرشده، فمن كان كذلك فمعذور لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) وأما أنه غير عاجز عن ذلك لكن لم يساعده على بلوغه عمره فذلك قد وقع أجره على الله لما قال الله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) . وأما أن يتفق له مُرَبٍ ومعلم مُضلٌ فيضله عن الطريق، وهذا إن لم يتمكن من الاهتداء بمن يرشده ويسدده يكون معذورًا، والإثم فيما يرتكبه لمن قد أضله لا له كما قال الله تعالى في المضلين: (ليحملوا
[ ٩٩ ]
أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألاَ ساءَ ما يزرون) . وإن تمكن بعد ممن يهديه فلم يهتد به يكون هو ومضله مشتركين في الإثم كما قال الله تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) . وأما أن يكون ضلاله من جهة نفسه لا من جهة شيء مما تقدم، وذلك هو المتوعَّد بالعذاب، فمن أزاح الله علته بالفهم والكفاية والعلم الناصح فرغب عن الاهتداء وترك طريقة الرشاد، يكون كمن وصفه الله تعالى بقوله: (واتلُ عليهم نبأَ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين) وبقوله: (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذَّب وأبى) وأكثر منه عقوبة من استفاد العام وعرف الحق وسلك من طريق الخير مراحل ثم ارتد عنها راجعًا، كمن وصفه الله بقوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى سوَّلَ لهم وأملى لهم) وبقوله: (ومن يرتد منكم عن دينه الآية) .
[ ١٠٠ ]