في قدر ما في الوسع من اكتساب السعادة
الإنسان لما كان على هيئة العالم أوجد فيه كلُّ ما أوجد في العالم، وكما أن في العالم أشياء لا يتأتى إصلاحها وحيوانات لا يمكن تأديبها كذلك في الإنسان قوى لا يتآتى إصلاحها وتهذيبها وكان له مع ذلك مثبطات عما أمر به وتقصير عما كُلف ولهذا قال الله تعالى: (قُتل الإنسان ما أكفره من أي شيءٍ خَلَقَه) . إلى قوله: (كلا لم يقض ما أمره) . فنبه على أن الإنسان لا يكاد يخرج من دنياه وقد قضى وطره، ولذلك يجب على الإنسان أن يجتهد في أداء ما أمكنه، ويطهر نفسه بقدر ما يتيسر له والرغبة إلى الله تعالى في تكفير ما قصر فيه ويتحقق أنه إذا فعل ما أمكنه فقد أعذر لقوله تعالى: (لا يكلف نفسًا إلا وسعها) . فإذا فعل ما أمكنه يكون قد ترشح أن يزيل الله عنه باقي السيئات كما قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحة عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم) . وقال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريما) . ولهذا أمرنا تعالى أن ندين الدعاء بقوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا) . وقال تعالى: (والذين آمنوا معه
[ ١٠٩ ]
نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا) . فأمرنا أن نرغب إليه في إتمام ما قصرنا عن اكتسابه وقوله: (والذي جاء بالصدق إلى قوله ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) . ولهذه الجملة قال جعفر الصادق ﵁: من زعم أنه يصل إلى الحق ببذل المجهود فهو متعنٍ ومن زعم أنه يصل إليه بغير بذل المجهود فهو متمنّ ولقصور الإنسان عن تزكية نفسه بالتمم قال ﷺ: " ما أحدٌ يدخل الجنة بعمله " قيل ولا أنت يا نبي الله قال: " ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمته ". وقال تعالى تنبيهًا على هذا المعنى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء) . وبيان قصور الإنسان عن تزكية نفسه على التمام هو أن الإنسان حيوان ناطق متفكر والحيوان جوهر متنفس حساس، والمتنفس جوهر متغذ مترب لا قوام له إلا بالغذاء كما قال الله تعالى: (وما جعلناهم جسدًا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين) فالإنسان ما دام في الدنيا لا ينفك عن مشاركة البهائم والسباع لكونه حيوانًا محتجًا إلى ما تحتاج إليه وعن مشاركة الحيوان والنبات لكونه متنفسًا محتاجًا غلأى ما تحتاج إليه. والإنسان إذا لم يقتحم العقبو ويفك الرقبة وما لم يتعر عن الحاجات لدنية لم يأمن شياطين الإنس والجن فكيف يأمن وقد قال الله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) . قال بعض المفسرين: إن إبراهيم لما سأل الله تعالى فقال: (ربي أرني كيف تحيي الموتى قال
[ ١١٠ ]
أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) . إنما سأله أن يريه الحياة المتعرية عن العوارض العارضة للحيوانات فقال: أو لم تؤمن أي أو لم تتحقق؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي أي ليتصور لي كيفية الطمأنينة أي تبري النفس من الشره والحرس والأمل والإفتخار وأعاين الحالة المذكورة في قوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي) . فأمره أن يأخذ أربعة طيور. غرابًا وهو المخصوص بالحرص والشره. ونسرًا وهو المخصوص بالأمل وطاووسًا وهو المخصوص بالإفتخار. وديكًا بالشبق، فأَمره أَن يقطّعهن ويصرهنَّ أي يدعوهن، ولما فعل ذلك صِرن إليه عاجلًا فنبه الله تعالى بذلك على أن الإنسان وإن اجتهد كلَّ الاجتهاد في حذف هذه المعاني عن نفسه وتطهير ذاته منها لن يتطهر ما دامت البشرية الدنيوية حاصلة له ولن تحصل له الطمأنينة المطلوبة. فأَما ما يدعيه قوم أن من الناس من قد تجرد عن هذه الخصائص حتى يستغني عن الطعام والشراب ويصير بحيث لا تعتريه الأخلاق البهيمية فهذا إن حصل في بعض الناس فإذ ذلك يكون ملكًا متشبحًا يسمى بإسم الإنسان على سبيل الإشتراك في الإسم، فيكون متبدل الجوهر تبدل جوهر النار إذا صارت بردًا وسلامًا، وتبدل الدُعموص إذا صار ضفدعًا، والدود إذا صار فراشًا، وكثيرًا من النبات إذا صار جوهرًا آخر، وجيوانًا كدودة القز وليس ذلك بمنكر في القدرة الإلهية وهو حينئذ خارج عن
[ ١١١ ]
الاستصلاح للأفعال التي خلق الإنسان لأجلها مستخلفًا في الأرض مستعمرًا فيها.