في تكوين الإنسان شيئًا فشيئًا حتى يصير إنسانًا كاملًا الإنسان يكون أولًا جمادًا ميتًا قال الله تعالى: (وكنتم أمواتًا فأحياكم) وذلك حيث كان ترابًا وطينًا وصلصالًا ونحوها. ثم يصير نباتًا ناميًا كما قال الله تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتًا) وذلك حيث ما كان نطفة وعلقة ومضغة ونحوها. ثم يصير حيوانًا وذلك حيث ما يتبع بطبعه بعض ما ينفعه ويحترز من بعض ما يضره. ثم يصير إنسانًا مختصًا بالأفعال الإنسانية وقد نبه الله تعالى على ذلك في مواضع نحو قوله: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة) . وقوله: (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوَّاك رجلًا) . فأول ما يظهر فيه قوة النزاع الموجودة في النبات والحيوان، ثم قوة تناول الموافق ودفع المخالف، ثم الحس ثم التخيل ثم التصور ثم التفكر ثم العقل، فهو لم يصر إنسانًا إلاّ بالفكر والعقل
[ ٣٠ ]
الذي يميز بين الخير والشر والجميل والقبيح. وإلى العقل أشار الله تعالى بقوله: (وصوَّركم فأحسن صوَرَكم) . فالإنسان بعقله صار معدن العلم ومركز الحكمة. ووجود العقل فيه إبتداء الأمر بالقوة كوجود النار في الحجر المحتاج في أن يري إلى الاقتداح، وكوجود النخل في النوى المحتاجة في أن تثمر إلى غرس وسقي. وكوجود الماء تحت الأرض المحتاجة في الاستقاءِ منه إلى حفره ونفس الإنسان واقعة بين قوتين: قوة الشهوة وقوة العقل، فبقوة الشهوة يحرص على تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب وسائر اللذات العاجلة، وبقوة العقل يحرص على تناول العلوم والأفعال الجميلة والأمور المحمودة العاقبة، وإلى هاتين القوتين أشار الله تعالى بقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورا) . وبقوله: (وهديناه النَّجْدَين) .
ولما كان من جبلة الإنسان أن يتحرى ما فيه اللذة، وكانت اللذات على ضربين: أحدهما محسوس كلذة المذوقات والملموسات والمشمومات والمسموعات والمبصرات وهي من توابع الشهوة الحيوانية، والثاني معقول كلذة العلم وتعاطي الخير وفعل الجميل. واللذات المحسوسة أغلب علينا لكونها أقدم وجودًا فينا، لأنها توجد في الإنسان قبل أن يولد، وهي ضرورية في الوقت ولذلك قال الله تعالى: (يحبون العاجلة ويذرون الآخرة) ولذلك يكره أكثر الناس ما يأمر به العقل ويميل إلى ما يأمر به الهوى حتى قيل: " العقل
[ ٣١ ]
صديق مقطوع والهوى عدوّ متبوع ". ولذلك قال النبي ﷺ " حُفَّت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " ولذلك يحتاج الإنسان أن يقاد في بدءِ أمره إلى مصالحه بضرب من القهر حتى قال ﷺ: " يا عجبًا لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ". فحقُّ الإنسان أن يجاهد هواه إلى أن يقتحم العقبة فيتخلص حينئذٍ من أذاه.
وللنفس نظران: نظرٌ إلى فوق نحو العقل، ومنه تستمد المعارف، وتميز بين المحاسن والقبائح، فتعرف كيف تتحرى المحاسن وتتجنب القبائح. ونظرٌ إلى تحت نحو الهوى، وبه تنسى الحقائق وتألف الخسيسات بل القاذورات. والنفس متى كانت شريفة أَدامت النظر إلى فوق كما ذكرنا، ولا تنظر إلى ما دونها إلا عند الضرورة، ولا تتناول اللذات البدنية إلا بحسب ما يرسمه العقل المستمد من الشرع، أو إذا كانت دنيَّة أكثرت الميل إلى الشهوات البدنية، فيحدث ذلك لها إذعانًا وانقيادًا لللشهوات فيستعبدها الهوى كما قال الله تعالى: (أَفرأَيْتَ مَن اتخذ إلهه هواه وأَضلَّه الله على علْم) وإنما أضله بعد أن اتخذ إلهه هواه وجعله عبدًا لأغراض دنيوية كما قال النبي ﷺ: " تعس عبد الدرهم ". الخبر. ومن هذه العبودية استعاذ إبراهيم الخليل ﵇ حيث قال: (واجْنُبني وبَنيَّ أَن نعبد الأصنام) .
[ ٣٢ ]