العلوم من حيث الكيفية ضربان تصور وتصديق فالتصور هو أن يعرف الإنسان معنى الشيء صحَّ عنده ذلك بدلالة أو لم يصح كمن عرف الصلاة وشرائطها وإن لم تثبت صحتها عنده بدلالة والتصديق هو أن يتصور الشيء ويثبت عنده بدلالة تقضي صحته.
والتصديق على ثلاثة أضرب: أما بغلبة الظن وهو أن يكون عليه دلالة وقد يعترضها شُبه توهنها وتبطلها، قال الله تعالى: (إذا مسَّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) . وأما بعلم اليقين وهو أن يصير بحيث يعلم ويعلم أنه يعلم ولا تعترضه شبه توهنه كالعلم مثلًا بأن ثلاثة وثلاثة ستةٌ وأنه لا يصح أن تكون أكثر من ذلك أو أقل، قال الله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) . وأما بعين اليقين وهو أن يرى بعقله الشيء ويعانيه ببصيرته في حال اليقظة والنوم، وقد نبه الله تعالى على هذه الوجوه بقوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترونّض الجحيم ثم لترونَّها عين اليقين) . فأما التصورات المجردة فالعامة الذين قال الله تعالى فيهم: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستبطونه) . وأما غلبة الظن فللعامة الذين مدحهم الله بقوله: (والذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) . وأما علم اليقين
[ ٨٨ ]
فللخاصة. وأما عين اليقين ففي الدنيا للأنبياء ولبعض الصديقين. وإلى نحوه أشار النبي ﷺ بقوله: " تنام عيني ولا ينام قلبي " وبقوله: " إني أرى من خلفي كما أرى من قدامي ". قال أمير المؤمنين عليّ ﵇: لو كشف الغطاءُ ما ازددت يقينًا. وقال بعض الحكماء: علم اليقين يحصل للعقل بالفكر والذكر فإن العقل بفكره أي ببحثه يدرك المعارف وبذكره يستحضرها إذا نسيها وغفل واشتغل عنها وبذهنه ينظر إليها دائمًا كما ننظر نحن إلى محسوس غير غائب عن أبصارنا بلا حاجة إلى بحث وطلب وتفكر وتذكر، وكذلك قيل الإنسان يعقل فينظر إلى الحق بالفكر، والملائكة دائمًا ينظرون إليه بالذهن من غير حاجة إلى تفكر وطلب.