اعلم أن الموت المتعارف الذي هو مفارقة الروح للبدن هو أحد الأسباب الموصلة للإنسان إلى النعيم الأبدي، وهو انتقال من دار إلى
[ ١١٥ ]
دار كما روي: " إنكم خلقتم للأبد لكنكم تنقلون من دار إلى دار حتى يستقر بكم القرار. فهو وإن كان في الظاهر فناءً واضمحلالًا فهو في الحقيقة ولادة ثانية قال الشاعر في ذلك:
تمخضت المنون له بيوم أتى ولكل حاملة تمام
فإنه جعل للمنون حملًا كحمل المرأة وتمخضًا متمخضها وولادة وولادة كولادتها تنبيهًا على انه أحد أسباب الكون. قال بعضهم: الإنسان ما دام في دنياه جار مجرى الفرخ في البيضة فكما أن من كمال الفرخ تفلق البيض عنه وخروجه منه، كذلك من شرط كمال الإنسان مفارقة هيكله ولولا هذا الموت لم يكمل الإنسان، فالموت إذن ضروري في كمال الإنسان، ولكون الموت سببًا للإنتقال من حال أوضع إلى حال أشرف وأرفع سماه الله تعلى توفيًا وإمساكًا عنده فقال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليه الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) ولهذا تقول العرب: استأثر الله بفلان، ولحق بالله ونحو ذلك من الألفاظ ولأجل أن الموت الحيواني انتقال من منزل أدنى إلى منزل أعلى أحبه من وثق بما له عند الله، ولم يكره هذا إلا أحد رجلين أحدهما من لا يؤمن بالآخرة وعنده أن لا حياة ولا نعيم إلا في الدنيا كمن وصفهم الله تعالى بقوله: (ولتجدنهم أحرص لناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يُعمَّر) . وقال بعض من هذه طريقته شعرًا في هذا المعنى:
[ ١١٦ ]
خذ من الدنيا بحظ قبل أن تنقل عنها
فهي دار ليس تلقى بعدها أطيب منها
والثاني يؤمن به ولكن يخاف ذنبه، فأما من لم يكن كذلك فإنه يحبه ويتمناه كما أحبه الصالحون وتمنوه. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه " وقال تعالى: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) تنبيهًا على أن من يكون متحققًا بحسن حاله عند الله لم يكره الموت. فالموت هو باب من أبواب الجنة منه يتوصل إليها، ولو لم يكن موت لم تكن الجنة ولذلك منَّ الله تعالى به على الإنسان فقال: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فقدم الموت على الحياة تنبيهًا على أنه يتوصل به إلى الحياة الحقيقية وعدّه علينا في نعمه فقال: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) فجعل الموت أنعامًا كما جعل الحياة أنعامأ لأنه لما كنت الحياة الأخروية نعمة لا وصول إليها إلا بالموت فالموت نعمة لأن السبب الذي يتوصل به إلى النعمة نعمة، ولكون الموت ذريعة إلى السعادة الكبرى لم يكن الأنبياء والحكماء يخافونه، حتى قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵇: والله ما أبالي أقع على الموت أو يقع الموت عليَّ. وكانوا يتوقعونه ويرون أنهم في حبس فينتظرون المبشر بإطلاقهم. وعلى هذا روي: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". وقيل أنه لما مات داود الطائي سمع هاتف
[ ١١٧ ]
يقول: " أطلق داود من السجن ". قال الله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) تنبيهًا على أن الموت سبيل الحياة المستفادة عند الله تعالى. وقال تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرةً من الله ورحمة خيرٌ مما يجمعون) وقال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتأً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون فرحين الآية) وعلى هذا نبه الله تعلى بقوله: (ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم أنكم بعد ذلك لميتون ثم أنكم يوم القيامة تبعثون) فنبه على أن هذه التغييرات خلق أحسن فنقض هذه البنية لإعادتها على وجه أشرف كالنوى المزروع الذي لا يصير نخلًا مثمرًا إلا بعد إفساد جثتها، وكذلك البر إذا أردنا أن نجعله زيادة في أجسامنا يحتاج أن يطحن ويعجن ويخبز ويأكل فيغير تغيرات كثيرة هي فساد لها في الظاهر، وكذلك البذر إذا ألقي في الأرض يعده من لا يتصور مآله وحاله فسادًا، فالنفس تحب البقاء في هذه الدار إذا كانت قذرة راضية بالأعراض الدنيوية رضا الجُعَل بالحُش أو جاهله بمآلها في المآل.
[ ١١٨ ]