مرَّ فيما سبق نهي ابن الجوزي ﵀ عن تعظيم القبور والصلاة عندها، وتحذيره من ذلك، إلا أنه أخطأ في بعض كتبه عندما ذكر شيئًا من التبرك غير المشروع، كالتبرك بقبور الصالحين، من ذلك:
١ - ما نقله عن جعفر الخلدي دون أن يعلّق على ذلك النقل ويبيّن بطلانه، أنه قال: "كان بي جرب عظيم فتمسحت بتراب قبر الحسين، فغفوت فانتبهت وليس عليّ منه شيء. وزرت قبر الحسين فغفوت عند القبر غفوة، فرأيت كأن القبر قد شُقّ وخرج منه إنسان، فقلت: إلى أين يا ابن رسول الله؟ فقال: من يد هؤلاء" (^١).
ومثل هذا الفعل إن كان عن اعتقاد البركة في تراب القبر فهو حرام ووسيلة إلى الشرك الأكبر، وإن كان عن اعتقاد أن الميت هو الذي يشفي فذلك شرك في الربوبية، ودعاؤه والاستغاثة به شرك في العبادة.
٢ - قال في ترجمة أحمد القزويني: "كان من الأولياء المحدثين … وقبره ظاهر يتبرك به في الطريق إلى معروف الكرخي" (^٢).
٣ - ما أورده من قصص ومنامات في فضل قبور بعض الصالحين (^٣).
وما أورده ابن الجوزي ﵀ في التبرك بقبور الصالحين كله داخل في التبرك الممنوع الذي لا يجوز؛ لعدم وجود ما يدلّ على مشروعيته من الكتاب والسنة،
_________________
(١) المنتظم (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧).
(٢) المنتظم (١٧/ ١٥٦).
(٣) انظر: مناقب بغداد لابن الجوزي (ص ٢٩)؛ مناقب الإمام أحمد (ص ١٩٤)؛ بحر الدموع (ص ٣٩)، المنتظم (٥/ ٣٤٦)، (١١/ ٢١١).
[ ٢١ ]
ولا فعَلَه أو أرشد إلى فعله أحد من الصحابة وتابعيهم بإحسان، أو أئمة الدين المتبوعين.
بل الوارد هو النهي الشديد عن ذلك، ومن ذلك قول النبي: " … إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" (^١).
قال الإمام ابن القيم ﵀: "لو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحًا لفعل ذلك المهاجرون والأنصار، وسنّوا ذلك لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير، وهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استشفى به، ولا استسقى به، ولا استنصر به. ومن المعلوم أن هذا مما تتوفر الهمم على نقله بل على نقل ما دونه" (^٢).