تردد موقف الإمام ابن الجوزي ﵀ في مسألة صفات الربّ تعالى بين النفي والإثبات، فتارة يثبت الصفات على طريقة السَّلف، وتارة أخرى يجنح إلى التفويض، وتارة يميل إلى التأويل كما هو بارز في كتابه "دفع شبه التشبيه" الذي أوَّل فيه كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة الواردة في صفات الله ﷿.
وكان اضطرابه واختلاف أقواله في هذا الموضوع ناتجًا عن بعض القواعد المجانبة للصواب، والتي بنى عليها اعتقاده في الصفات الإلهية.
_________________
(١) أخرجه مسلم في المساجد (١/ ٣٧٧ رقم ٥٣٢).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ٣١٩). وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٨١).
[ ٢٢ ]
ومن هذه القواعد ما يلي (^١):
١ - تسميته لأخبار الصفات إضافات، وقرَّر أن "ليس كل مضاف صفة" (^٢)، ثم حكم بأنه "قد ابتدع من سمى المضاف صفة" (^٣).
ولا شكَّ في كون ابن الجوزي تأثر في هذا المصطلح بشيخه ابن عقيل؛ إذ هو الذي أُثر عنه استعمال هذا المصطلح اتّباعًا منه للمعتزلة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولابن عقيل أنواع من الكلام، فإنه كان من أذكياء العالم، كثير الفكر والنظر في كلام الناس، فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية، وينكر على من يسمّيها صفات، ويقول: إنما هي إضافات موافقة للمعتزلة، كما فعله في كتابه "ذم التشبيه وإثبات التنزيه" وغيره من كتبه، واتبعه على ذلك أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه "كف التشبيه بكف التنزيه"، وفي كتابه "منهاج الوصول" (^٤).
٢ - أن آيات الصفات من المتشابه، فلا ظاهر لها يجب أن تحمل عليه، وقد استقر في ذهنه أن الظاهر هو المألوف عند الخلق فقال: "فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال" (^٥).
وهذا الرأي باطل؛ إذ مؤاده إلى القول بعدم الاستفادة من الكتاب والسنة شيئًا من العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من قال عن جبريل ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، وعن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين والجماعة:
_________________
(١) انظر: دفع شبهة التشبيه (ص ١٠٤ - ١٠٧).
(٢) المصدر نفسه (ص ١٠٤).
(٣) المصدر نفسه (ص ١٠٤).
(٤) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٦٠).
(٥) دفع شبهة التشبيه (ص ١٠٤).
[ ٢٣ ]
إنهم كانوا لا يعرفون شيئًا من معاني هذه الآيات، بل استأثر الله بعلم معناها، كما استأثر بعلم وقت الساعة، وإنما كانوا يقرؤون ألفاظًا لا يفهمون لها معنى، كما يقرأ الإنسان كلامًا لا يفهم منه شيئًا؛ فقد كذب على القوم، والنقول المتواترة عنهم تدلّ على نقيض هذا، وأنهم كانوا يفهمون هذا كما يفهمون غيره من القرآن" (^١).
وقال الشيخ الشنقيطي -صاحب أضواء البيان-: "آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه …؛ لأن معناها معلوم في اللغة العربية وليس متشابهًا، ولكن كيفية اتصافه جلّ وعلا بها ليست معلومة للخلق، وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، كانت كيفية الاتصاف داخلة فيه، لا نفس الصفة" (^٢).
٣ - استعمال التأويل؛ ظنًّا منه أنه أُثر عن الإمام أحمد.
٤ - شبهة أن إثبات الصفات يؤدي إلى التجسيم، وقد تأثر في هذا الجانب بما حدث من بعض مثبتة الصفات من غلوّ.
وهذه أيضًا شبهة باطلة ناتجة عن عدم تنزيه الله تعالى واعتقاد صفاته تجسيمًا وتشبيهًا بصفات المخلوقين.
لأن الله تعالى يُوصف بما وَصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ وصفًا حقيقيًّا تفصيليًّا، يليق بجلاله وعظمته، مع الاعتقاد الجازم بأن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وهذا الاعتقاد لا يجاوز ما جاء في القرآن والسنة (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٢٥).
(٢) مذكرة في أصول الفقه (ص ٦٥).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، ومنهج القرطبي في أصول الدين (وهي رسالتي للماجستير مطبوعة على الآلة) (١/ ١٢٧ - ٢٣٢).
[ ٢٤ ]
هذه أهم القواعد التي -في رأيي- بنى عليها الإمام ابن الجوزي ﵀ أقواله وآراءه في باب "صفات الله تعالى".
لكنه -كما أسلفت- لم يثبت على رأي واحدٍ، فقد كان أحيانًا يخفّف من التأويل إلى القول بالتفويض (^١)؛ اعتقادًا منه أن ذلك الموقف هو الذي يقتضيه النصّ؛ أو هروبًا من التعطيل الذي كان لا يرتضيه، ويهاجم أصحاب ذلك المذهب الرديّ وعلى رأسهم الجهمية.
والخلاصة: أن ابن الجوزي ﵀ لم يتمحّص ولم يثبت على قولٍ واحد، كما أن له كلامًا في تقرير عقيدة التوحيد في الأسماء والصفات موافقًا لما أثر عن السَّلف، وهذا لا يمكن أن نتجاهله، أو نطّرحه بسبب ما ورد عنه من الأقوال المخالفة لذلك.
وأشدّد على أن سلوك الإمام ابن الجوزي ﵀ هذا الاتجاه -أي: مسلك التأويل- ليس من مبدأ انتساب إلى فرقة مبتدعة، ولا استنادًا إلى حججهم العقلية والكلامية المستمدة من غير مناهج المسلمين، بل إنه أُتي من عدم كونه - في هذا الباب- على درجة كبيرة من التحقيق والنظر في كلام الطوائف المناوئة للسنة في باب "توحيد الأسماء والصفات" على وجه الخصوص.
ولهذا نجد له كلامًا في إثبات بعض الصفات يكون غاية في الصحة والصواب، بل قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن لابن الجوزي "من الكلام في الإثبات نظْمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصفات" (^٢).
ولأهمية هذه المسألة ودحضًا لشبهات من يصف الشيخ ﵀ بالتجهم، أو بمعاداة مذهب السَّلف والأئمة الأعلام، أرى لزامًا عليَّ أن أذكر جُمَلًا من كلام الشيخ ﵀ في الإثبات والتنزيه وافق فيها منهجَ السَّلف:
_________________
(١) انظر: (ص ٢٦٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٩).
[ ٢٥ ]